الثلاثاء 25 أغسطس 2026
40°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
التعليم بين الشهادة والقيمة
play icon
كل الآراء

التعليم بين الشهادة والقيمة

Add as Preferred Source on Google
Time
الثلاثاء 25 أغسطس 2026
د.رندا دياب بهمن
لغة القيادة

شهد التعليم الجامعي الخاص في الكويت توسعاً ملحوظاً، وأصبح جزءاً مهماً من منظومة التعليم، وتوفير الخيارات أمام الطلبة. كما أن وجود جامعات خاصة، بما توفره من مرونة، وتخصصات جديدة، واستثمارات في التعليم، يمكن أن يكون إضافة حقيقية للاقتصاد والمجتمع.

لكن مع هذا التوسع، من المهم أن ننظر إلى ما إذا كان نمو عدد الشهادات يوازي نمو القيمة الحقيقية للتعليم، الذي تقف وراءها. فالمشكلة ليست في التعليم الخاص، ولا في كون بعض المؤسسات ذات ملكية عائلية، أو استثمارية، إنما في النموذج الذي تصبح فيه استدامة المؤسسة مرتبطة بدرجة كبيرة باستقطاب الطلبة، والاحتفاظ بهم وتخريجهم، بينما قد لا تكون جودة المخرجات هي المؤشر الأكثر وضوحاً على النجاح.

وهنا تظهر قضية تحتاج إلى نقاش أكثر جدية. فالجامعة، في نهاية المطاف، ليست مجرد مشروع يقدم خدمة تعليمية؛ إنها مؤسسة تصنع رأس المال البشري.

وعندما يكون الطالب هو مصدر الإيراد الأساسي، يمكن أن ينشأ تضارب طبيعي بين المصلحة الأكاديمية والمصلحة التجارية، خصوصاً عندما يصبح الحفاظ على أعداد الطلبة، واستمرار الرسوم عاملاً أساسياً في استدامة المؤسسة.

ولا يعني ذلك أن الجامعات الخاصة تتعمد تخريج طلبة غير مؤهلين، ولكن النظام نفسه قد يخلق حوافز لا تتطابق دائماً مع المصلحة الأكاديمية. وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تكون الملكية، والإدارة، والقرار الأكاديمي قريبة من بعضها.

كما أن الاعتماد الدولي يجب أن يكون جزءاً أساسياً من هذه المعادلة، فليس كل اعتراف، أو ترخيص مؤشراً على المستوى الأكاديمي نفسه، كما أن وجود جامعات محلية ودولية في السوق لا يعني بالضرورة أن مستوى الجودة والبحث العلمي، والتدريس والمخرجات متساوٍ بينها.

فالاعتمادات الدولية المتخصصة توفر مستوى إضافياً من المراجعة الخارجية، والمعايير، والقياس المستمر. لذلك يجب أن يكون تقييم الجامعة قائماً على ما تثبته فعلياً عن جودة خريجيها، وليس فقط على قدرتها على استقطاب الطلبة ومنح الدرجات.

وهنا تكمن المخاوف الاقتصادية الأعمق، فإذا أصبح الحصول على الدرجة الجامعية أسهل من اكتساب المهارات التي يفترض أن تمثلها، فإننا قد نخلق ما يمكن وصفه بتضخم المؤهلات، حيث تتزايد أعداد حملة الشهادات، بينما ينمو مستوى المهارات والإنتاجية والقدرة على الابتكار بوتيرة أبطأ.

وقد يحمل الخريج شهادة في إدارة الأعمال، أو الهندسة، أو التكنولوجيا، لكنه يدخل سوق العمل من دون القدرة العملية المتوقعة من صاحب هذا المؤهل. عندها تتحمل الشركات تكلفة إعادة التدريب، ويصبح البحث عن الكفاءات أصعب، وقد تستمر الحاجة إلى استقطاب الخبرات من الخارج، رغم ارتفاع مستويات التعليم محلياً.

والأكثر إثارة للقلق أن المشكلة لم تعد تقتصر على عدد الخريجين، بل على القيمة الفعلية للمهارات التي يحملونها. على مدى أكثر من عقد، توالت التقارير والدراسات الأكاديمية التي تحذر من فجوة مستمرة بين مخرجات التعليم العالي، واحتياجات سوق العمل في الكويت. وقد اتخذت الكويت خطوة مهمة وجادة نحو مواءمة التخصصات الجامعية مع احتياجات السوق، إلا أن التحدي يتجاوز اسم التخصص إلى المهارات التي يكتسبها الخريج من خلاله.

فوجود برنامج في الذكاء الاصطناعي، أو الهندسة، لا يضمن امتلاك خريجيه المهارات التقنية والتحليلية، والعملية المطلوبة.

المشكلة إذاً ليست في عدد الشهادات، بل في احتمال أن نمتلك مؤهلات أكثر من المهارات، خريجون يحملون درجات أكاديمية، لكنهم يحتاجون إلى إعادة تدريب حتى يتمكنوا من تلبية متطلبات العمل. ومع استمرار توسع التعليم الخاص دون ربط واضح بين التخرج والمهارات الفعلية، قد تتحول الشهادة تدريجياً من دليل على الكفاءة إلى مجرد إثبات لإتمام الدراسة، وهو ما يهدد بتحويل التعليم العالي من وسيلة لبناء رأس المال البشري إلى سوق لإنتاج المؤهلات.

والحل يبدأ بتحويل المنافسة بين الجامعات من عدد المسجلين والخريجين إلى جودة المهارات التي يكتسبها الطالب، وربط التخرج بمخرجات تعلم قابلة للقياس واحتياجات سوق العمل الفعلية.

$ باحث أكاديمي وعميد مساعد في كلية إدارة الأعمال

آخر الأخبار