قصص إسلامية
يعتبر فن التغابي والتغافل مهماً جداً لنا في حياتنا؛ إذ إن السبب في مشكلاتنا الأسرية والاجتماعية، وفي محيط العمل هو التدقيق والتركيز على مواقف، وأخطاء مزعجة صدرت، وتصدر عن الآخرين.
سئل الإمام ابن حنبل: أين نجد العافيه؟ فقال: "تسعة أعشار العافية في التغافل عن الزلات"، ثم قال: "بل هي العافية كلها".
يحدثني احد المدرسين قائلاً: صار لي ظرف خاص اضطررت أن أتوجه إلى مدير المدرسة لأخذ إذن بمقدار ثلاث ساعات لإنجاز بعض الأعمال، فما كان من المدير إلاّ انه رفض، فأصبح بيني وبينه ملاسنة غير مستحبة، فاخذت ورقة مرضية وتوجهت إلى المركز الصحي، فأعطاني الطبيب إجازة ثلاثة أيام، كان بإمكان المدير الموافقة على ثلاث ساعات إذن خروج، وينتهي الأمر، لقد كان تصرفه غير ذكي. (انتهى)
هناك تغافل ذكي يحتاج إليه كثير من المسؤولين.
يقول أحد المدراء: عندما ترقيت إلى منصب مدير، كان من ضمن الموظفين عندى شابٌ نشيطٌ جداً، وناجحٌ في عمله، وكان يقوم بكل ما يطلبُ منه بذكاءٍ وسرعةٍ ودقةٍ، كما أنه يحقق نسبةَ إنجازٍ عاليةً، لكنه كان غير منضبط إلى حد ما، فلقد كان يغادرُ مقرَّ عملهِ كثيراً دون إذن، حتى ان إجازاتُه وأذوناتُه أكثر من المُعتاد.
ذاتَ مرة تقدّم الشاب بإجازة ليسافر مع أصدقائهِ في رحلة، لكنني رفضتها، فما كان منه إلا أن تقدَّم بإجازةٍ مرضيةٍ، واتصل مدعياً المرض معتذراً عن الحضور، ولأنني أعرف أنه ليس مريضاً، ذهبتُ صباحاً إلى بيته، وانتظرتُ هذا الشاب باكراً ثم قابلته، وهو يحمل عدّة الرحلات، كاد الموظف يذوبُ خجلاً، بينتُ له أنه لم يكن قادراً على خِداعي، وأنني لستُ بتلك السذاجة التي يظنُّها، وأسمعته كلاماً محرجاً، وبرهنت له أنه كاذب، بل وخصمتُ عنه أجرَ اليوم مضاعفاً، لكن ماذا حصل بعد ذلك...
بعد أيامٍ، تقدَّم الشابُّ باستقالته.
لقد كان شاباً منجزاً، خسرتُ جُهده، ونسبةَ الإنجاز العالية التي كان يُحققها، ولم يعُد بالإمكان أن أرفع لإدارتي العليا نسبَ الإنجاز السابقة، وصرتُ بحاجةٍ للبحث عن شاب يمكنه أن يحقِّق ذات الإنجاز وهم قليل.
لقد كان تصرفاً غبياً مني، فما الذي استفدتُه من ذلك؟
يومها، اكتشفت أنَّ بعض ما نخسره في حياتنا، يكون بسبب التضييق على الآخرين، وإغلاق منافذ الهروب ما يجعل الطرف الآخر، أمام خيارين: إما أن يهربَ مِنك، وتَخسر جهده، أو يتخذك عدواً فيكيدُ لك ويدعو عليك، وسيتراجع نشاطه كنوع من الدفاع عن النفس.
وفي كلتا الحالتين ستكونُ أنت الخاسر، فبعضُ التغافل مفيدٌ جداً.
فالتجمُّل والتّغافل هو ورقة مهمة، والتي تسترنا وتحمينا.
من أجمل ما يُنسب إلى ابن القيم رحمه الله في معنى التغافل: "من أعظم أسباب صلاح القلب: التغافل عن زلات الناس، وعدم تتبع عوراتهم".
ويُذكر عنه أيضاً في هذا المعنى: "ليس الغبي بسيدٍ في قومه، لكن سيد قومه المتغابي".
الأفضلُ دائماً أن تفتحَ لخصمكَ طريقاً يخرجُ منه كريماً فيحترمُك، بدل أن تُحرجه فيُعادِيك.
لا يُشترط أن تفوزَ بكل المعاركِ فبعضُ الفوزِ هزيمة.
ولا تُحرق مراكبكَ أبداً، فقد تحتاجها قريباً.
وهذا إهداء لكل أب وأم، ولكل زوج وزوجة، ولكل الاخوة والأصدقاء، ولكل مدير ومديرة ومعلم ومعلمة.
فلا بد أن تكسب الجميع بنوع من التغافل، والتجاوز الذكي، وذلك ليس غباء، بل هو منتهى الذكاء والفطنة.
$ إمام وخطيب