مرايا الروح
ثمة مواقف لا تحتاج إلى كثير من الكلام كي تسكن القلب، ولا تحتاج إلى خطب طويلة، كي تُعرّفنا معدن أصحابها؛ يكفي أن يأتيك إنسان في اللحظة التي تشعر فيها أنك وحيد، وأن يمدّ يده إليك حين تثقل عليك الدنيا، وأن يفرح لفرجك، كما لو أن الفرج كان له.
ومن أبلغ تلك المشاهد وأشدها ملامسةً للوجدان، موقف طلحة بن عبيد الله مع كعب بن مالك (رضي الله عنهما).
تخلّف كعب عن غزوة تبوك من غير عذر، فجاءه ما لم يكن سهلاً على قلب بشر؛ هجرٌ استمر خمسين ليلة، حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وضاقت عليه نفسه. ثم جاء الفرج من الله، ونزلت توبته وتوبة صاحبيه، وانتشر الخبر بين المسلمين.
وحين سمع كعب بالبشارة، انطلق إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، فإذا بطلحة بن عبيد الله يقوم من بين المهاجرين، ويهرول نحوه، فيصافحه ويهنئه بتوبة الله عليه.
لم ينتظر طلحة أن يصل كعب إليه. هو الذي ذهب إليه. وهنا تكمن عظمة المشهد.
فبعض الناس لا يأتوننا إلا حين نكون في أفضل حالاتنا؛ حين نضحك، ونُزهر، ونتجاوز، ونحقق ذواتنا، ونقف منتصبين أمام الحياة. أما الذين يشبهون طلحة، فيعرفون الطريق إلينا حين تنكسر خطانا، وحين نحتاج إلى كتف لا إلى سؤال، وإلى يد تمتد إلينا لا إلى عين تراقب سقوطنا. ولذلك بقي ذلك الموقف في قلب كعب، حتى قال في حديثه عن التوبة: "فكان كعب لا ينساها لطلحة".
يا لها من عبارة قصيرة، لكنها تحمل تاريخاً كاملاً من الامتنان.
لم يقل كعب إن طلحة قال له كلاماً عظيماً، ولم يذكر لنا موعظة طويلة، إنما بقيت في ذاكرته هرولة طلحة إليه. لأن الإنسان قد ينسى الكلمات، لكنه نادراً ما ينسى من جاءه في أشد لحظاته احتياجاً.
نحن لا ننسى من وقف معنا حين وقف الجميع بعيداً، ولا ننسى من فرح لفرحنا حين كان يستطيع أن يكتفي بالمشاهدة، ولا ننسى من مدّ يده إلينا، ونحن نحاول أن ننهض وحدنا.
هناك أشخاص لا يتركون في حياتنا أثراً لأنهم قالوا الكثير، بل لأنهم حضروا في الوقت الصحيح.
وحين تضيق بنا الحياة، لا نحتاج دائماً إلى من يجد لنا الحلول؛ نحتاج أحياناً إلى إنسان يقول لنا، بصمته قبل كلامه: أنا هنا.
ذلك أن المواساة الحقيقية ليست أن تُخبر المكسور أن جرحه بسيط، بل أن تجلس إلى جواره حتى يشعر أن انكساره لم يجعله وحيداً.
وما أجمل أن يكون المرء ممن يهرولون إلى الآخرين في أفراحهم، لا ممن ينتظرون حتى يهدأ غبار الحزن، ليظهروا في الصورة.
لقد علّمنا طلحة درساً لا يبهت مع الزمن: أن أجمل الوفاء أن تصل إلى قلب الإنسان، قبل أن يضطر إلى طلبك. وأن بعض المواقف الصغيرة في أعين أصحابها، قد تصبح في قلوب الآخرين عمراً كاملاً من الامتنان.
فكن طلحة في حياة أحدهم. إذا علمت أن قلباً أثقلته الأيام، فلا تنتظر دعوته. إذا رأيت إنساناً خرج من محنة، فلا تكتفِ بتهنئته من بعيد؛ اقترب.
إذا وجدت شخصاً يظن أنه وحده، فكن أنت الدليل الذي يذكّره بأن في الدنيا قلوباً لا تزال تعرف معنى الوفاء.
فليس كل من يحبنا سيعرف كيف يقف معنا، وليس كل من يقف معنا سيعرف كيف يخفف عنا، لكن القليل النادر هو من يهرول إلينا حين نكون في ظُلمتنا.
وهؤلاء تحديداً… لا تُنسى لهم مواقفهم. كما لم ينسَ كعبٌ طلحة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نهديه لمن وقف معنا يوماً، أن نقول له من أعماق القلب: لقد مرّ الموقف، وانتهت المحنة، وعاد الفرح، لكنني لم أنسَ أنك كنت هناك.
$ كاتبة كويتية