مرايا الروح
لم تعد الحياة تُعاش كما كانت؛ فكثير من تفاصيلها يمر أولاً عبر عدسة الهاتف، ثم يُعرض على الآخرين قبل أن نعيشه حقاً. لحظة عائلية، نزهة، نجاح، لقاء عابر... أصبحت قابلة للنشر، وكأن اللحظة لا تكتمل إلا إذا شهد عليها الآخرون.
المشكلة ليست في التوثيق، بل في تحوّل الهاتف من أداة لحفظ الذكرى إلى شرط لوجودها، وارتباط سعادتنا بردود فعل الشاشة. نفرح ثم نبحث عن قيمة فرحتنا في أعين الآخرين، ونحتفل ثم نترقب التعليقات، ونسافر ونفكر كيف سيبدو المكان في الصورة أكثر مما كيف سيبدو في قلوبنا.
والأسوأ أن نبدأ قياس قيمة أيامنا بالأرقام: كم إعجاباً، كم تعليقا، كم مشاهدة؟ وكأن اللحظة التي لم تلقَ تفاعلاً لم تكن جميلة بما يكفي، وكأن فرحتنا تحتاج إلى تصويت جماعي حتى نصدق أنها فرحة.
هنا نفقد الخصوصية التي كانت تمنح بعض اللحظات جمالها. فليست كل سعادة بحاجة إلى جمهور، وليست كل نعمة بحاجة إلى إعلان. هناك أشياء تزداد جمالاً حين تبقى لنا وحدنا: ضحكة مع شخص نحبه، حديث طويل في آخر الليل، فنجان قهوة في مكان هادئ، إنجاز صغير لم نعلن عنه.
وتبدأ بعدها المقارنة الحقيقية: نرى حياة الآخرين في أجمل صورها، فنقارنها بحياتنا في أكثر لحظاتها عادية. نرى سفرهم ولا نرى أيامهم الثقيلة، نرى نجاحهم ولا نعرف كم مرة تعثروا. وما يصل إلينا ليس الحياة كاملة، بل نسخة منتقاة منها.
واللافت أننا نستخدم وسائل التواصل لنقترب من العالم، فإذا بها أحياناً تجعلنا أبعد عن حياتنا. نراقب الآخرين أكثر مما نراقب أنفسنا، نوثق اللحظة أكثر مما نعيشها.
ولعل أجمل ما يمكن استعادته هو متعة الأشياء التي لا تحتاج إلى نشر: أن نذهب إلى مكان جميل، ولا نلتقط له صورة، أن نضحك دون توثيق الضحكة، أن نجلس مع أهلنا ونضع الهاتف جانباً، أن نعيش بعض الأيام كما لو أنها سر جميل بيننا وبين الحياة.
اللحظة التي نعيشها بصدق لا تحتاج إلى إعجاب، والذكرى التي تسكن القلب لا تحتاج إلى عدد مشاهدات. لسنا مطالبين بأن نختفي عن العالم، بل أن نستعيد التوازن، ونتذكر أن حياتنا ليست منصة عرض.
دعوا بعض اللحظات تمر دون كاميرا، وبعض الأفراح تبقى في القلب، وبعض النعم تعيش بعيداً عن أعين الآخرين. فأجمل ما في الحياة ليس ما يراه الناس منّا، بل ما نشعر به حين لا يكون هناك أحد ينظر.
السعادة الحقيقية اليوم ليست في أن نملك حياة تستحق أن يراها الآخرون، بل في أن نملك حياة لا نحتاج معها إلى أن يراها أحد.
في النهاية، لا نحتاج إلى الابتعاد عن العالم، بقدر ما نحتاج إلى الاقتراب من حياتنا، ولا أن نرفض التكنولوجيا، أو نعيش خارج عصرنا؛ فالهاتف والكاميرا، ووسائل التواصل، أدوات مفيدة حين نستخدمها بوعي. المطلوب هو استعادة التوازن: أن نوثق بعض اللحظات، ونعيش بعضها الآخر بعمق من دون عدسة.
عِش اللحظة قبل أن توثقها، واستمتع بها قبل أن تعرضها، واترك لنفسك شيئاً جميلاً لا يعرفه أحد... لأن بعض التفاصيل، حين تصبح ملكا للجميع، تفقد شيئا من عفويتها ورونقها.
$ كاتبة كويتية