في خطوة تعكس وعياً قيادياً متقدماً بحجم التحديات، برز التوجه الحكومي الأخير، المتمثل في التحركات التي تقودها وزيرة الشؤون الاجتماعية وشؤون الأسرة والطفولة الدكتورة أمثال الحويلة، لوضع خطة متكاملة تحمي الصغار من مخاطر الفضاء الرقمي.
وتأتي هذه المبادرة، التي تستهدف دراسة تشريعات تحد من استخدام المنصات لمن هم دون سن الخامسة عشرة، بالتنسيق مع جهات وطنية، كوزارة الداخلية والمركز الوطني للأمن السيبراني، لتدق ناقوس الخطر حول تهديدات العزلة الرقمية والابتزاز، والتحرش الإلكتروني.
ولكن، من منظور علم النفس السيبراني والتحليل التربوي، فإن الاعتماد المطلق على "الحظر التشريعي العمري" دون توفير آليات تقنية محكمة قد يصطدم بواقع تقني معقد؛ فالأطفال والمراهقون اليوم يمتلكون مهارات هائلة لتجاوز تلك القيود عبر شبكات الافتراض الخاص (VPN)، أو باستخدام بيانات مزيفة. ويُحسب لهذا الطرح إثارته للإشكالية الحقيقية المتمثلة في عجز الحظر المجرد عن تحقيق أهدافه، دون أدوات تحقق رقمية صارمة، إذ يشبه فرض قيود بلا تقنيات مساندة محاولة ضبط حركة المرور بلا إشارات ضوئية، مما يستوجب الابتكار في برمجيات حماية محلية مشتركة، وتجاوز معوقات التعاون المحتملة مع الشركات المالكة للمنصات الكبرى.
كما أن الاكتفاء بوصف "المؤشرات بالخطيرة" دون دعمها بقواعد بيانات علمية دقيقة (تعتمد على سياسات مبنية على الأدلة)، وأرقام موثقة، ونسب مئوية للمجتمع الكويتي، يضعف القوة البرهانية للقرارات؛ حيث يتطلب صنع القرار الأمني والتشريعي مؤشرات مقاسة تحدد حجم الخسائر بدقة.
علاوة على ذلك، فإن التركيز المفرط على الجانب الزجري قد يفوت فرصة بناء "المناعة الرقمية الذاتية" والتفكير النقدي لدى النشء؛ فالطفل الذي يعتمد كلياً على المنع الخارجي سينهار دفاعه فور غياب الرقابة.
وتربوياً وتقنياً، يؤكد الخبراء أن الاستخدام المفرط للمنصات يهدد النمو النفسي والاجتماعي للطفل، ويضعف مهارات التعاطف والتواصل المباشر. وهنا يبرزالتحدي الأكبر المتمثل في "الفجوة الرقمية" بين الأجيال؛ إذ يفتقر الكثير من أولياء الأمور إلى الأدوات الفنية لمتابعة أبنائهم، فضلاً عن غياب دور المؤسسات التعليمية، والمدارس عن دمج مفاهيم الأمن السيبراني والتربية الرقمية بشكل منهجي ومؤسسي، رغم كونها البيئة الأكثر احتكاكاً بالطلاب، إضافة إلى تعثربعض الإدارات في رصد الآليات التنفيذية الحالية وتوفير الدعم المباشر.
وعند إسقاط مصفوفة التحليل الستراتيجي (SWOT) على هذا الملف، تتجلى نقاط القوة في الاستباقية الحكومية، والتنسيق الوطني المشترك بفضل البنية التحتية الرقمية المتقدمة في الدولة (مثل تطبيق "هوية")، بينما تكمن نقاط الضعف في غياب الإحصاءات الرسمية المعلنة، ومحدودية أدوات التنفيذ الفعلي في مواجهة شركات التقنية الكبرى.
أما على صعيد الفرص، فتبرز إمكانية إبرام شراكات تقنية وسد الثغرات القانونية في القانون رقم 21 لسنة 2015، في ظل تهديدات جسيمة يفرضها التسارع التقني للذكاء الاصطناعي، وتحايل النشء عبر التطبيقات اللا مركزية لكسر الحصار الرقمي.
ولتحويل هذه التحديات إلى إنجاز مستدام، نضع المقترحات التالية أمام صانع القرار: دمج التربية الرقمية بالتعليم: التنسيق مع وزارة التربية لإدخال أخلاقيات الإنترنت، والتفكير النقدي الرقمي ضمن المناهج الدراسية بمختلف المراحل.
منصة وطنية للتدريب الأسري: إطلاق برنامج مجاني، ومعتمد لأولياء الأمور بالتعاون مع المركز الوطني للأمن السيبراني، مع توفير استشاريين، نفسيين وتربويين، ضمن مراكز تنمية المجتمع لتقليص الفجوة الرقمية.
تشريعات ذكية وآليات تحقق محكمة: سنّ تشريعات تفرض على منصات التواصل الاجتماعي الكبرى فتح قنوات تواصل رسمية وربط استخدام المنصات بالهوية الرقمية الحكومية، مع فرض عقوبات صارمة على الشركات المتهاونة.
إنشاء المرصد الوطني للطفولة الرقمية: لجمع البيانات، وإجراء الدراسات المسحية الدورية، ونشر الأرقام بشفافية تخدم صانع القرار، مع إطلاق مسابقات وطنية سنوية لتحويل طاقات النشء التقنية نحو الابتكار الإيجابي بدلاً من التحايل.
إن حماية أطفالنا في العصر الرقمي لا تتطلب مجرد أسوار تشريعية عالية، بل تتطلب بناء وعي مجتمعي، وحصانة تربوية، ومنظومة تقنية ذكية تضمن مستقبلاً آمناً لجيل المستقبل.
$ كاتب كويتي