لم تعد الجزر الصغيرة المتناثرة، في غرب المحيط الهادئ، مجرد نقاط جغرافية هامشية، بل تحولت إلى ركائز ستراتيجية في لعبة شطرنج جيوسياسية محتدمة بين واشنطن وطوكيو من جهة، وبكين من جهة أخرى. يمثل هذا الصراع محاولة لإعادة صياغة موازين القوى في منطقة تعد الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي.
تمتد سلسلة الجزر الأولى كقوس جغرافي ضخم، بطول نحو خمسة آلاف كيلومتر قبالة الساحل القاري لشرق آسيا، ليفصل بين البحار الهامشية الصينية والمحيط الهادئ المفتوح.
تبدأ هذه السلسلة من الأجزاء الشمالية عبر أرخبيل الجزر اليابانية، وجزر الكوريل، وتتجه جنوباً عبر أرخبيل جزر ريوكيو، وتمر بجزيرة تايوان التي تمثل حجر الزاوية، والوصل الحساس في المنتصف، ثم تمتد جنوباً عبر الأجزاء الشمالية للفلبين، وصولاً إلى بورنيو وإندونيسيا. يمثل هذا الموقع الدقيق حاجزاً طبيعياً يحاصر الأسطول الصيني، ويجعل من أي خروج بحري نحو المياه العميقة للمحيط الهادئ خاضعاً لسيطرة استخباراتية وعسكرية مشددة.
تُمثل هذه السلسلة جداراً طبيعياً يحاصر الأسطول الصيني داخل بحر الصين الشرقي. وتعمل التحركات الأميركية- اليابانية الأخيرة على تعزيز التواجد العسكري فيها، وتزويدها بأنظمة رادار متطورة، وقدرات صاروخية تهدف إلى خلق حالة من الإنكار الستراتيجي للصين.
هذا يعني أن أي محاولة من بكين لتوسيع نفوذها ستواجه شبكة دفاعية متكاملة تجعل من أي تحرك بحري أمراً مكلفاً للغاية. ولا تقتصر المعركة هنا على القوة الصلبة، بل امتدت لتصبح حرب بيانات، ورصد تحت سطح الماء، تتنافس فيها الغواصات لفرض السيطرة الصامتة.
اقتصادياً، لا يمكن فصل هذا الصراع عن أمن الطاقة وحركة سلاسل التوريد؛ إذ تمر عبر هذه المياه أكثر من ثلث التجارة البحرية العالمية.
إن أي احتكاك عسكري، أو حتى تلويح بفرض حصار، ينذر باضطراب فوري في أسواق الطاقة، وارتفاع تكاليف الشحن، فضلاً عن تهديد تدفق الرقائق الإلكترونية التي تشكل عصب التكنولوجيا الحديثة.
من جهتها، تدرك اليابان هشاشة أمنها الطاقي، وتنظر إلى هذه الجزر كخط دفاع أول لحماية خطوط إمدادها البحرية، مدركة أن انقطاع هذا الشريان يعني شللاً اقتصادياً داخلياً تاماً.
في هذا المشهد المعقد، تسعى واشنطن لتعزيز "تقاسم الأعباء"، انطلاقاً من أن التحالف مع طوكيو ضرورة لبقاء النفوذ الغربي في آسيا. في المقابل، تنظر الصين إلى هذه التطورات كامتداد لسياسة "تطويق التنين"، مما يدفعها لتعزيز قدراتها البحرية والجوية بشكل غير مسبوق.
وفي ظل هذا التنافس المحتدم، تجد دول جنوب شرق آسيا نفسها في وضع حرج، مضطرة للموازنة المستمرة بين شريكها الأمني في واشنطن وشريكها الاقتصادي الأكبر في بكين.
تؤكد المعطيات أن التصعيد العسكري ليس الحل الأمثل. وتتطلب المقاربة الواقعية:
1 - تفعيل قنوات الاتصال المباشرة: إيجاد خطوط ساخنة بين القيادات العسكرية لتجنب سوء التقدير.
2 - الإدارة المشتركة للموارد: تحويل مناطق التوتر إلى ساحات للتعاون العلمي والبيئي، مما يخفف التشنج السياسي.
3 - الديبلوماسية الاقتصادية: تعزيز الأطر الإقليمية الضامنة لحرية الملاحة بعيداً عن سياسة فرض الأمر الواقع.
إن المعركة الدائرة في أعماق البحار ليست سوى مرآة لواقع دولي جديد يتسم بتعددية قطبية قلقة. تقتضي الحكمة السياسية تحويل هذه الجزر من "نقاط احتكاك" إلى "جسور للتوازن"، ففي عالم مترابط اقتصادياً، لا توجد جهة رابحة في حرب تكسر سلاسل الإمداد وتضع البشرية على حافة مواجهة غير محسوبة العواقب.
$ كاتب كويتي