الأربعاء 02 سبتمبر 2026
35°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
محاكمة مؤشر  الأداء
play icon
كل الآراء

محاكمة مؤشر الأداء

Add as Preferred Source on Google
Time
الأربعاء 02 سبتمبر 2026
سامي عبدالمحسن الرويشد

ليس غريباً أن نقرأ في تقرير إعلامي منشور، أن جهة ما رفعت نسبة الإنجاز، وخفّضت زمن المعاملة، وحققت أرقاماً أفضل من العام السابق.

تبدو النتائج مطمئنة، وربما تستحق الإشادة فعلاً، لكن الأرقام، مهما بدت كاملة، لا تخبرنا دائماً بما حدث خارج حدود ما اختارت قياسه.

فإذا قيس أداء الموظف بعدد المعاملات فقط، فقد يصبح تسريع العدد أهم من جودة الإنجاز، وإذا قيس نجاح مدرسة بنسبة النجاح وحدها، فقد يتحسن المؤشر من دون أن يتحسن التعلم، بالقدر نفسه.

وعندما تقاس خدمة بسرعة الإنجاز فقط، قد تنخفض الدقائق بينما ترتفع الأخطاء، أو تعود المعاملة مرة أخرى.

ويُعرف هذا في أدبيات القياس بما يرتبط بـ"قانون غودهارت" (Goodhart’s Law): حين يتحول المقياس إلى هدف، يبدأ السلوك بالتكيف معه، حتى يفقد المقياس شيئاً من قدرته على وصف الواقع الذي وُضع لقياسه.

وهنا تكمن المفارقة؛ فالناس لا يحتاجون إلى تزوير الأرقام كي تضللنا، يكفي أن يتعلموا كيف ينجحون وفق ما تقيسه، ولو بقي الجزء الأهم خارجها. وقد يتحسن المؤشر فعلاً بينما يبتعد الأداء بهدوء عن الغاية التي صُمم المؤشر من أجلها.

لذلك لا تكفي المؤشرات المفردة مهما بدت لامعة. فالمقياس الجيد يحتاج إلى ما يراقب أثره من الجهة الأخرى. وهنا تظهر قيمة ما يُعرف بـ"المؤشر الموازن" (Balancing Measure): إذا قسنا السرعة، نقيس معها نسبة الأخطاء، أو إعادة المعاملة؛ وإذا قسنا الكم، نضع أمامه جودة النتيجة؛ وإذا احتفينا بالإنجاز، نسأل أيضاً عمّا إذا كان الأثر المطلوب قد تحقق فعلاً.

والمؤشر الموازن لا يعطل الإنجاز، بل يحمي معناه. فهو يمنعنا من أن نكسب دقيقة ونخسر جودة، أو نرفع نسبة ونخفض قيمة، أو نصل إلى هدف رقمي بينما نبتعد عن الغاية التي وُضع الهدف من أجلها. إنه يضيف للنجاح كفة ثانية، حتى لا يصبح التفوق في رقم واحد سبباً في اختلال الصورة كلها.

ويستحضر هذا المعنى دقة التعبير القرآني في قوله تعالى:"وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ". فالميزان لا يقوم على كفة واحدة، والعدل في القياس لا يتحقق بمجرد وجود رقم، بل بوجود ما يمنع الرقم من أن يخدعنا.

وربما لهذا تكون أخطر التقارير في الحياة العملية هي تلك التي تبدو كاملة؛ لأنها قد تمنحنا راحة الاطمئنان، قبل أن نسأل عمّا غاب عنها. فالسؤال الأهم ليس: هل تحسن المؤشر، بل: هل بقي صادقاً بعد أن صار الجميع يعرف كيف يحسّنه؟

وحين يصبح الرقم غاية، قد نكسب المؤشر ونخسر ما وُضع المؤشر أصلاً لحمايته.

$ كاتب كويتي

آخر الأخبار