الأربعاء 02 سبتمبر 2026
36°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
مصر وإثيوبيا بين الحوار والمواجهة العسكرية
play icon
كل الآراء

مصر وإثيوبيا بين الحوار والمواجهة العسكرية

Add as Preferred Source on Google
Time
الأربعاء 02 سبتمبر 2026
فيصل الحربي

النزاع المائي بين مصر وإثيوبيا ليس وليد اللحظة، بل ينبع من عمق التاريخ السياسي والقانوني لحوض نهر النيل، وتمتد جذوره إلى حقبة التنافس الاستعماري في القرن التاسع عشر، حين بدأت المحاولات الأولى لتنظيم وتقسيم الجريان المائي عبر سلسلة اتفاقيات، شكلت لاحقاً نقطة الخلاف الجوهرية بين القاهرة وأديس أبابا.

كانت البداية الأولى في عام 1891 عبر اتفاق وقعته بريطانيا مع إيطاليا، تعهدت فيه الأخيرة بعدم إقامة أي أعمال، أو منشآت على نهر عطبرة الإثيوبي، قد تؤثر على تدفق مياهه نحو النيل، لتصبح هذه الوثيقة أول حجر أساس تعتمد عليه السياسة المصرية في إثبات حقوقها المائية، تلتها في عام 1902 اتفاقية محورية بين بريطانيا والملك الإثيوبي منليك الثاني، نصت صراحة على عدم بناء منشآت على النيل الأزرق، أو بحيرة تانا، أو نهر السوباط، إلا بموافقة الحكومة البريطانية وسلطات السودان، وهي الاتفاقية التي تتمسك بها مصر حتى اليوم، كسند قانوني ملزم، بينما ترفضها إثيوبيا، بدعوى أنها صيغت تحت ضغوط وقيود استعمارية.

تكرس الاستقطاب المائي بشكل أكبر في عام 1959 عقب توقيع اتفاقية ثنائية بين مصر والسودان صاغت معادلة تقسيم المياه بصورتها الحالية، حيث رُفعت حصة القاهرة إلى 55.5 مليار متر مكعب سنوياً مقابل 18.5 مليار متر مكعب للخرطوم، وهو التقسيم الذي رفضته أديس أبابا، جملة وتفصيلاً، باعتباره تجاهل أحقيتها التنموية في الاستفادة من الموارد المائية المنبعثة من أراضيها.

ظلت خطط بناء السد الإثيوبي مجمدة لسنوات طويلة نتيجة التحذيرات الصارمة من الإدارة المصرية، خلال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، والذي اعتبر مسألة المياه خطاً أحمر، وتهديداً مباشراً للأمن القومي يتطلب الرد الحاسم، مما دفع أديس أبابا للتريث والانتظار حتى عام 2011، حيث استغلت حالة الاضطراب السياسي والأمني التي أعقبت أحداث العالم العربي لتطلق أعمال بناء "سد النهضة" رسمياً، وتضع المنطقة أمام واقع جديد تحكمت بموجبه بمنافذ التدفق المائي.

يتصاعد التوتر بشكل غير مسبوق اليوم في ظل رفض القاهرة للمشروعات الأحادية، وتصريحات وزير المياه الإثيوبي حول النية لبناء سدين إضافيين، مما يضع دول الحوض أمام تحدٍ وجودي، ويتطلب حلاً ديبلوماسياً عاجلاً، لمنع الانزلاق نحو مواجهة عسكرية تستنزف مقدرات الشعوب، وهو ما يجعل الوساطة العربية والمبادرات الإقليمية الممتدة بين الرياض والدوحة الخيار الأمثل، والفرصة التاريخية الأخيرة، لنزع فتيل الأزمة، وإبرام اتفاق متوازن يضمن الحقوق المائية للجميع وينقذ المنطقة من صراع غير مبرر.

$ كاتب كويتي

آخر الأخبار