لم تعد الجوائز الوطنية مجرد مناسبات للتكريم، أو احتفالات سنوية بالفائزين، بل يمكن أن تكون أداة ستراتيجية تسهم في تطوير أداء الدولة، ورفع جودة الخدمات الحكومية، وتعزيز التنافس الإيجابي بين مؤسساتها.
فعندما تتبنى الدولة جائزة وطنية للتميز الحكومي، وفق معايير واضحة وعادلة، فإنها ترسل رسالة إلى جميع الوزارات والهيئات والمؤسسات: أن الجودة ليست خياراً، وأن رضا المواطن ليس أمراً ثانوياً، وأن لكل مؤسسة فرصة لتكون نموذجاً يحتذى.
الجائزة على مستوى الدولة تصنع معياراً وطنياً موحداً للتميز. فالجهات الحكومية تختلف في اختصاصاتها وأحجامها، لكنها تستطيع أن تتنافس في جودة الإدارة، وسرعة الخدمات، والتحول الرقمي، والابتكار، وكفاءة الإنفاق، وتنمية الموارد البشرية، ورضا المستفيدين.
والأهم أن نتائج الجوائز يجب ألا تبقى حبيسة حفل التكريم. فعندما تحقق وزارة، أو هيئة، تجربة ناجحة، ينبغي تحويل نجاحها إلى معرفة وطنية مشتركة تستفيد منها بقية مؤسسات الدولة. وهنا تنتقل الجائزة من تكريم جهة واحدة، إلى تطوير الجهاز الحكومي بأكمله.
كما أن الجوائز الوطنية تكشف النماذج المتميزة من القيادات والموظفين وفرق العمل، وتمنح أصحاب المبادرات المبدعة مساحة للظهور والتقدير. فالإنسان عندما يعرف أن الإنجاز يُقاس، والابتكار يُقدّر، والأداء المتميز يجد طريقه إلى التكريم، يصبح أكثر استعداداً للعطاء.
لكن نجاح أي جائزة وطنية يتطلب ألا تتحول إلى سباق على الملفات والتقارير، والعروض الجميلة. المواطن يجب أن يكون الحكم النهائي.
فما قيمة أن تفوز جهة بجائزة، بينما لا يزال المستفيد ينتظر طويلاً لإنجاز معاملته، وما قيمة مؤشرات مرتفعة إذا لم يشعر الناس بتحسن الخدمة؟
لذلك يجب أن ترتبط الجوائز الوطنية بالنتائج الحقيقية: خفض زمن الخدمة، تبسيط الإجراءات، رفع الإنتاجية، تحسين تجربة المستفيد، زيادة كفاءة الإنفاق، وتعزيز الثقة في المؤسسات.
ونحن بحاجة إلى أن ننظر إلى الجوائز باعتبارها جزءاً من مشروع أكبر عنوانه "دولة التميز"؛ دولة تتنافس مؤسساتها في خدمة الإنسان، وتتعلم من أفضل تجاربها، وتقيس أداءها باستمرار، ولا تكتفي بالإنجاز، بل تبحث دائماً عن الإنجاز الأفضل.
فالجوائز الحقيقية لا تصنع فائزاً واحداً.
عندما ترتقي بها مؤسسات الدولة، يكون الفائز هو المواطن... والفائز الأكبر هو الوطن.