خبراء لـ "السياسة": فلسفة تمويلية مبتكرة لمواجهة الضغوط المالية مع الالتزام الصارم بالشروط والضمانات
صادق البسام: أداة مالية ستراتيجية تجنب البلاد مواجهة تعاظم الدين العام
سلطان الجزاف: تحقق وفراً مالياً عبر تفادي دفع فوائد بنكية مركبة لجهات أجنبية
منال الكندري: يجب أن يتوازى مع حدود سحب غير مبالغ فيها للحفاظ على حقوق الأجيال
ناجح بلال
في خطوة ستراتيجية حاسمة لحماية الأمن الاقتصادي الوطني وتأمين الاستقرار المالي في البلاد، أقرت الحكومة مرسوما بقانون يجيز الاقتراض المنظم من صندوق احتياطي الأجيال القادمة لتشكل هذه الخطوة فلسفة تمويلية مبتكرة قادرة على مواجهة الضغوط المالية المتزايدة وتغطية الالتزامات المتنامية للميزانية العامة للدولة ودون تحميل الخزانة العامة أعباء مالية خارجية قد تثقل كاهل الاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق أجمع خبراء اقتصاديون لـ "السياسة" على جدوى هذا التوجه الجديد معتبرين الاقتراض الداخلي من الصندوق السيادي بديلا ذكيا ومثاليا يغني الكويت تماما عن مغبة اللجوء إلى أسواق الدين العالمية وما يصاحبها من شروط قاسية وفوائد مرتفعة تؤثر على القرار الاقتصادي المستقل لكنهم في الوقت ذاته طالبوا بضرورة الالتزام الصارم بالشروط والضمامات التي وضعتها الحكومة في ذلك.
اداة مالية ستراتيجية
وفي هذا الإطار أكد رئيس قسم المحاسبة في جامعة الكويت الخبير الاقتصادي الدكتور صادق البسام أن التوجه نحو السحب من احتياطي الأجيال القادمة يمثل أداة مالية ستراتيجية لتجنيب البلاد تعاظم الدين العام، مبينا أن هذا الإجراء يعد سلاحا ذو حدين حيث يكمن الجانب الإيجابي في توفير السيولة النقدية اللازمة لتغطية العجوزات الميزانية وتمويل المشاريع التنموية الكبرى دون الحاجة للجوء إلى الأسواق العالمية.
بينما يتجلى الجانب السلبي في الاضطرار لتسييل أصول استثمارية جوهرية ذات أبعاد استراتيجية مستقبلا. وحذر البسام من الإفراط في الاقتراض من هذا الاحتياطي تفاديا لهدر الفرص الاستثمارية الواعدة في الأسواق الدولية وحفاظا على الملاءة المالية للصندوق السيادي.
حفظ التوازنات المالية
وفي السياق ذاته رأى عضو الجمعية الاقتصادية الكويتية الخبير الاقتصادي سلطان الجزاف أن الهدف الرئيسي من اتجاه الحكومة للاقتراض من احتياطي الاجيال القادمة حفظ التوازنات المالية المحلية لاسيما وان توقف ظروف الحرب التي دارت رحاها بين امريكا واسرائيل ضد إيران ستسبب عجوزات مالية ليست هينة خاصة وان توقف تصدير النفط اثر على ايرادات الدولة.
واشار في الوقت ذاته إلى أن الاعتماد على القدرات الذاتية للصناديق السيادية يعزز السيادة الاقتصادية ويمنح صانع القرار مرونة أكبر في إدارة ملف الدين العام وتوجيه العوائد نحو المشاريع التنموية بفلسفة استثمارية تخدم الأهداف الوطنية العليا وتؤمن مستقبل الاستدامة المالية للدولة.
وتبرز أهمية هذه الخطوة في حماية السيادة المالية للبلاد وتجنيبها الشروط المجحفة والمخاطر المرتفعة المرتبطة بالقروض الخارجية فضلا عن توفير السيولة النقدية العاجلة والفورية التي تمكن الحكومة من مواجهة الأزمات الاقتصادية الخانقة بكفاءة عالية كما تسهم هذه الآلية في تخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل المواطنين ودعم الميزانية العامة للدولة دون الحاجة لفرض ضرائب قاسية أو سياسات تقشفية تضر بالاستقرار الاجتماعي.
واضاف الجزاف من المزايا المالية المباشرة لهذا التوجه تحقيق وفر مالي ضخم عبر تفادي دفع فوائد بنكية مركبة ومرتفعة لجهات تمويل أجنبية إلى جانب تنمية وتنشيط الأصول الوطنية من خلال تحريك الأموال وتحويلها إلى استثمارات داخلية ذات عوائد مجزية ومستدامة بالإضافة إلى حماية الاستثمارات الخارجية الحالية للصندوق من عمليات التسييل العشوائي أو المستعجل للأصول الأجنبية مما يقي الدولة من تحمل خسائر سوقية غير مبررة. وأكد أن هذا التوجه يدعم جهود تنويع مصادر الدخل القومي عبر تمويل مشاريع التنمية البنيوية الكبرى التي تحرك العجلة الاقتصادية وتخلق فرص عمل للكوادر الوطنية. وقال الجزاف إن الأبعاد التشريعية والاقتصادية للسياسات المالية الحديثة وفق القانون الجديد ترتكز على محاور هيكلية تضمن استدامة الملاءة المالية للدولة وتأتي هذه الخطوات التشريعية لمعالجة الاختلالات الموازنية عبر قنوات تمويلية محكمة ومدروسة تفاديا للمخاطر الاقتصادية الخارجية وضمانا لحقوق الأجيال القادمة.
علاج للفجوات التمويلية
كما لفت الجزاف ألى أن هذا الحل يعالج الفجوات التمويلية التي تواجه الميزانية العامة للدولة في بعض الفترات منها الضغوط المالية الحادة، لافتا الى أن التدخل التشريعي الجديد جاء ليضع حلا قانونيا جذريا يتيح فتح قناة تمويلية داخلية مقيدة تمنح الحكومة صلاحية الاقتراض المنظم من صندوق الأجيال القادمة بهدف دعم الاحتياطي العام عند الحاجة القصوى لافتا إلى أن أهمية هذا البديل تكمن في تجنيب الدولة اللجوء إلى السحب المكشوف غير المدروس أو الاضطرار إلى خيار الاقتراض الخارجي الذي يترتب عليه تكاليف مالية باهظة وشروط ترهق خطط التنمية المستقبلية.
وذكر الجزاف أن الوضع المالي الجديد نظم بذكاء عمليات السحب من خلال إقرار آلية محاسبية شديدة الوضوح تقضي بعدم التعامل مع الأموال المسحوبة كأصول مهدرة أو هبات حكومية بل تصنف رسميا في القيود المالية كقرض استثماري ذي عائد مالي مجز لصالح صندوق الأجيال القادمة كما فرض المشرع سقوفا مالية مشددة تحظر تجاوز إجمالي القروض نسبة عشرة بالمئة من صافي أصول الاحتياطي وهو ما يشكل ضمانة قانونية حتمية لبقاء تسعين بالمئة على الأقل من الثروة السيادية مستثمرة في قنواتها الآمنة ومعزولة بشكل كامل عن أي تقلبات أو ضغوط قد تطرأ على السياسة المالية للحكومة.
شروط خمسة الزامية
واعتبر الجزاف ان الشروط الخمسة التي وضعها المشرع تعد إلزامية لتنظيم القرض وحماية أصول الصندوق اولها تحديد مبلغ القرض بدقة وثانيا بيان غرض القرض والعائد المستحق عليه وثالثا تحديد المدة الزمنية والجدول الزمني للسداد (سواء للقرض أو لأقساطه وعوائده) اما الشرط الرابع وضع شروط وضوابط واضحة لإعادة ترتيب سداد القرض أو جدولته فيما أكد الشرط الخامس إدراج أي بيانات وأحكام أخرى لازمة لتنظيم القرض وتنفيذه مشيرا إلى أن تلك الشروط ستكون ضمانة لأموال الدولة السيادية.
استدامة المالية العامة
وعلى صعيد متصل قالت أمين السر السابق لجمعية الشفافية الكويتية د. منال الكندري إن السحب من الاحتياطي ليس بالضرورة قرارا سيئا كما أن الاقتراض ليس بالضرورة قرارا جيدا، موضحة أن القرار الأمثل يعتمد بالدرجة الأولى على تكلفة رأس المال والعائد المتوقع على أصول الاحتياطي وحجم السحب إضافة إلى استدامة المالية العامة وتأثير هذا القرار على ثروة الأجيال القادمة.
وأكدت أن موضوع السحب من احتياطي الأجيال القادمة يجب أن يتوازى مع حدود سحب غير مبالغ فيها للحفاظ على حقوق تلك الأجيال وحفظ ريادة الصندوق، متمنية أن يتزامن السحب مع زيادة الإنفاق على المشاريع التنموية التي تدر عوائد مالية لتنويع مصادر الدخل. وشددت الكندري على أن أموال صندوق الأجيال القادمة ليست نقدا خاملا لاسيما وأن الهيئة العامة للاستثمار تستثمر هذه الأموال عالميا في الأسهم والسندات والعقارات والبنية التحتية وفق استراتيجية طويلة الأجل تستهدف تحقيق أفضل العوائد مقابل مستوى محدد من المخاطر، مشيرة إلى أن عوائد الصندوق يعاد استثمارها تلقائيا وفق القانون.