الأحد 06 سبتمبر 2026
35°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
من سمرقند إلى فيلكا... حين تتحدث الأرض بلغة الحضارة
play icon
طارق يوسف الشميمري
المحلية

من سمرقند إلى فيلكا... حين تتحدث الأرض بلغة الحضارة

Add as Preferred Source on Google
Time
السبت 05 سبتمبر 2026
بقلم ـ طارق يوسف الشميمري
مدن عمرها آلاف السنين تكشف تشابهاً لافتاً بين ذاكرة أوزبكستان وحكاية الكويت
الكويت لم تكن في قلب القارة لكنها على رأس الخليج فصنعت من البحر طريقاً إلى العالم
تحت أرضنا تاريخ يعود إلى نهاية الألف السادس قبل الميلاد أي إلى أكثر من 7000 سنة
أعمال التنقيب في الصبيّة كشفت عن مستوطنات مرتبطة بثقافة العبيد وورش للخرز الصدفي
سمرقند والكويت كانتا محطتين للسفن وكلتاهما صنعتا في التجارة شيئاً أكبر من المال
في الكويت والخليج لا يحتاج المرء إلى كتاب تاريخ ليفهم معنى الضيافة التي يعرفها بالفطرة
الأسواق في الكويت لم تكن مجرد محلات بل أماكن للقاء والتعارف ودخول ثقافات جديدة
القوافل والسفن لم تكن طريقاً مباشراً يصل الكويت بسمرقند بالضرورة بل أهم أدوات التواصل
أكثر ما بقي من المنتدى أن الحديث عن الحضارة ليس محصوراً في المتاحف والكتب

شاركت في المنتدى الإعلامي الدولي "الحضارة الإسلامية منظور جديد - اكتشافات جديدة" الذي جمع في أغسطس 2026 نحو 300 خبير وجهات إعلامية من قرابة 50 دولة. وبين جلسات المنتدى وزياراته، كان هناك شيء آخر يفرض نفسه وهو التاريخ الذي لا يزال حاضراً في المكان.

تقدمت بكلمة في المنتدى وقلت فيها: إن التحدي الحقيقي أمام الإعلام اليوم ليس فقط أن يحافظ على ذاكرة الحضارة الإسلامية، وإنما أن يعيد تقديمها للأجيال الجديدة بلغة تجعلهم يشعرون بأن هذا التاريخ جزء من قصتهم وتاريخهم، وليس مجرد صفحات في كتاب قديم، وأن فكرة تشابه الثقافات والحضارات في طشقند وسمرقند ليس بعيداً وأجده في المباني، والأسواق، والمساجد، والطرق، وحتى في طريقة الناس في استقبال الضيف، ومن هناك بدأت المقارنة مع الكويت.

فنظرت إلى أرض الكويت بالطريقة نفسها التي أنظر بها إلى سمرقند وقد اكتشفت في كثير من المواقع أن قصة الكويت لها أيضا تاريخ مشابه في الحضارة.

تقف سمرقند اليوم كواحدة من أقدم المدن التاريخية في آسيا الوسطى، وتشير اليونسكو إلى أن الأدلة على الاستيطان في المنطقة تعود إلى نحو 1500 قبل الميلاد، فيما تأسست مدينة أفراسياب (سمرقند التاريخية)، في القرن السابع قبل الميلاد وأن سمرقند لم تصبح عظيمة لمجرد قدمها، بل إن سر عظمتها كان موقعها، فقد كانت على مفترق طرق القوافل التي حملت السلع والأفكار والثقافات بين الصين وآسيا الوسطى وفارس والشرق الأوسط، وبحلول القرون الأولى للميلاد أصبحت مركزاً مهماً على طرق الحرير، قبل أن تصل إلى ذروة مجدها في العصر التيموري خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، ولهذا وصفتها اليونسكو بأنها "ملتقى للثقافات".

وحين تقف أمام تاريخ سمرقند وعلمائها وفقهائها ومساجدها وبنائها، يصعب أن ترى هذه الشخصيات والأبنية باعتبارها آثاراً فقط بل إنها بقايا عصر كانت فيه العمارة والعلم والفلك والتجارة والسياسة جزءاً من مشروع حضاري واحد.

طشقند - قصة أخرى بدأت قبل الاسم

في طشقند، تقودني الحكاية إلى منطقة "تشاتش" وإلى مدينة كانكا الأثرية، وتشير اليونسكو إلى أن "كانكا" كانت أول عاصمة لتشاتش، وكانت مدينة محصنة ضخمة، ومرت بها شبكة طرق الحرير، وفي المنطقة نفسها تطورت الزراعة منذ القرون السابقة للميلاد وأصبحت المياه والزراعة والتجارة عوامل أساسية في نمو التجمعات الحضرية.

وهنا يبرز أمر يستحق التأمل بالنسبة لنا في الخليج أن الحضارات القديمة لم تكن تنتظر أن تكون الظروف مثالية بل كانت تصنع من الجغرافيا فرصة، فأوزبكستان لم تكن تملك بحراً لكنها كانت في قلب آسيا، فصنعت من طرق القوافل شرياناً للحياة، والكويت لم تكن في قلب القارة، لكنها كانت على رأس الخليج، فصنعت من البحر طريقاً إلى العالم.

الكويت حكاية بدأت قبل أكثر من 7000 عام

الكويت التي نعرفها اليوم بمدنها الحديثة وموانئها وطرقها وأسواقها، تخفي تحت أرضها تاريخاً يعود إلى نهاية الألف السادس قبل الميلاد أي إلى أكثر من 7000 سنة، وبالتحديد في منطقة الصبية شمال الكويت، كشفت أعمال التنقيب عن مستوطنات مرتبطة بثقافة العبيد وورش لتصنيع الخرز الصدفي وهناك أدلة على النشاط البحري، من بينها نموذج من الطين لأقدم قارب بحري.

سمرقند والكويت - قوافل وسفن تجارية

لم يتبين لي أن هناك طريقاً مباشراً قديماً ربط سمرقند بالكويت لكن التشابه في الدور الذي لعبه المكان، فسمرقند كانت محطة للقوافل وفيلكا والكويت كانتا محطة للسفن، وأن سمرقند فتحت أبوابها للقادمين من الشرق والغرب، والكويت فتحت شاطئها للقادمين من شمال الخليج وشرقه وجنوبه، وكلاهما صنعا في التجارة شيئاً أكبر من المال، وصنعا مجتمعاً يعرف الآخر ويتعامل معه ويستفيد من اختلافه.

الضيف أولاً..

تشابه البيت الكويتي والأوزبكي

في الكويت والخليج لا يحتاج المرء إلى كتاب تاريخ ليفهم معنى الضيافة فالمجلس والقهوة والتمر والطعام والسؤال عن الضيف وإصرار المضيف على إكرامه كلها تفاصيل يعرفها الكويتي والخليجي بالفطرة.

وفي أوزبكستان شعرت بشيء قريب من ذلك فالكرم عن طريق تقديم الشاي والخبز والطعام العائلي المشترك والترحيب بالضيف ليست مجرد عادات سياحية بل جزء من ثقافة اجتماعية متجذرة في الشعب الأوزبكي.

حتى السوق له حضور متشابه فأسواق سمرقند وطشقند القديمة لم تكن مجرد أماكن للبيع والشراء، كما لم تكن الأسواق الكويتية القديمة مجرد محلات بل كانت أماكن للقاء وتبادل الأخبار والتعارف ودخول ثقافات جديدة إلى المجتمع.

والأمر نفسه ينطبق على احترام العلم، فإذا كانت سمرقند قد ارتبطت بعلماء الفلك والرياضيات والطب وعلماء الدين، فإن الكويت عرفت منذ وقت مبكر بالكتاتيب والتعليم الديني والمجالس العلمية، قبل أن تنتقل إلى التعليم النظامي الحديث، فقد تختلف التفاصيل، لكن قيمة العلم ومكانة المعرفة تبدوان مألوفتين في التجربتين.

من سمرقند إلى فيلكا... حين تتحدث الأرض بلغة الحضارة
play icon

قصة الكويت وأوزبكستان الحديثة

أجمل ما في قصة الكويت وأوزبكستان أنها لا تتوقف عند الماضي فقد شهد تاريخ 17 و18 فبراير 2025 زيارة الرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيائيف إلى الكويت لتفتح مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، وأعلن البلدان تطوير العلاقات إلى مستوى الشراكة الشاملة، فيما بلغت القيمة المعلنة لحزمة الاتفاقيات والمشروعات الاقتصادية التي جرى الاتفاق عليها نحو 4.9 مليار دولار.

وشملت مجالات متعددة منها الصناعة، والطيران، والعمل، والمدن الذكية، والصحة، والسياحة، والثقافة والفنون، إضافة إلى التعاون مع الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية.

لم تكن القوافل والسفن في الماضي بالضرورة طريقاً مباشراً يصل الكويت بسمرقند، لكنهما كانتا من أهم أدوات التواصل التجاري والثقافي في المنطقتين، واليوم يتم التواصل عبر الاستثمار والطيران والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتعليم والمشروعات التنموية.

يمثل الصندوق الكويتي للتنمية أحد أكثر الجوانب العملية وضوحاً في العلاقة بين الكويت والدول الأخرى فالصندوق الذي تأسس عام 1961 لم يكن مجرد أداة للتمويل، بل أحد الوجوه التي عُرفت بها دولة الكويت في العالم النامي، وموّل الصندوق مشروعات تنموية في أوزبكستان، من بينها مشروع للبنية الأساسية للإسكان الريفي بقرض بلغ 9 ملايين دينار ما يقارب 30 مليون دولار أميركي، كما ساهم في مشروع لتجهيز مؤسسات طبية متخصصة في المسالك البولية وأمراض الكلى وغسيل الكلى وزراعة الكلى.

واليوم بعد التقدم والرؤيه التنموية في أوزباكستان الحديثه أرى المحادثات تتجه إلى مجالات أوسع تشمل البنية التحتية والخدمات اللوجستية والزراعة والطاقة الخضراء والصحة والصناعة والخدمات والاستثمار فهي الطريقة التي يمكن أن تتحول بها العلاقات السياسية إلى مشروعات شراكات تنموية حضارية.

من ذاكرة الحضارة إلى مستقبل التعاون


ربما كان أكثر ما بقي معي من المنتدى في طشقند أن الحديث عن الحضارة لا ينبغي أن يبقى محصوراً في المتاحف والكتب فالحضارة الحقيقية هي التي تستطيع أن تنتقل من الذاكرة إلى المستقبل، ولهذا فإنني الان وعندما أفكر في سمرقند لا أراها مدينة مختلفة وبعيدة في آسيا الوسطى بل أراها مدينة تشبه الكويت في أن كلاهما عرف مبكراً أن الانفتاح على العالم يمكن أن يكون مصدراً للقوة وليس تهديداً للهوية وكانت قوافل سمرقند تحمل الحرير والأفكار، وهنا كانت السفن الكويتية تحمل اللؤلؤ والبضائع والأخبار.

وبالتاكيد اليوم تستطيع الطائرات والاستثمارات والجامعات والإعلام والثقافة أن تحمل شيئاً أكبر وهو الشراكة بين الشعبين وأن لكل منهما تاريخا عميقا وكلا الشعبين يتطلع إلى المستقبل فليس المطلوب أن نعيش في الماضي، بل أن نفهمه جيداً حتى لا نبني المستقبل من دون جذور.

فمن سمرقند إلى فيلكا ومن طرق الحرير إلى طرق الخليج تتغير الأزمنة والوسائل لكن الإنسان يبقى يبحث عن التواصل والتعلم والتجارة ويكتشف الطرف الآخر ثم يعود إلى بلده وأرضه أكثر غنى بما عرفه من العالم، وهنا قد لا يكون بين الكويت وسمرقند طريق قديم واحد يمكن أن نرسمه على الخريطة، لكن بينهما فكرة قديمة جداً بأن الحضارة تبدأ عندما تتحول الجغرافيا من حدود إلى جسور تعاون وشراكة.

آخر الأخبار