في العلاقات الدولية، لا تكون الحرب في العادة الخيار الأول، بل تأتي عندما تفشل أدوات السياسة، وتتراجع فرص الحوار، وتصل الأزمات إلى مرحلة يشعر فيها بعض الأطراف أن البدائل أصبحت محدودة.
وعندما تبلغ التوترات هذا المستوى، تصبح المنطقة أمام مرحلة دقيقة، تتطلب قدراً كبيراً من الحكمة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة، قد تكون كلفتها أكبر من أي مكاسب متوقعة.
يشهد الشرق الأوسط اليوم تصاعداً في حدة التوترات، مع استمرار الخلافات السياسية والأمنية، وتزايد الرسائل العسكرية المتبادلة.
وفي مثل هذه الظروف، تزداد احتمالات اللجوء إلى القوة لدى بعض الأطراف، التي ترى أنها تحقق الردع أو تحمي مصالحها، بينما تتمسك أطراف أخرى بأن الحوار والديبلوماسية يظلان الطريق الأقل كلفة، والأكثر قدرة على تحقيق استقرار طويل الأمد.
لكن التاريخ يقدم درساً واضحاً؛ فالحروب قد تحقق أهدافاً عسكرية أو سياسية محدودة، إلا أنها غالباً ما تخلّف آثاراً تمتد لسنوات، من خسائر بشرية، وتراجع اقتصادي، وتوترات يصعب تجاوزها.
ولهذا فإن قرار الحرب، مهما كانت مبرراته، يظل من أخطر القرارات، التي يمكن أن تتخذها الدول، لأنه لا يقتصر على ميدان المعركة، بل يطال حياة الشعوب، ومستقبل الأجيال.
في المقابل، فإن استمرار الأزمات من دون حلول سياسية يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل احتمالات المواجهة أكثر حضوراً. لذلك فإن نجاح الديبلوماسية لا يقاس بعدد الاجتماعات، أو البيانات، بل بقدرتها على منع التصعيد، وفتح قنوات للحوار، وإيجاد مساحات مشتركة تقلل من فرص الانزلاق إلى صراع واسع.
إن المنطقة اليوم تقف أمام لحظة مفصلية، حيث تتنافس مسارات التهدئة والتصعيد في آن واحد. وقد ترى بعض الأطراف أن الحرب أصبحت خياراً لتحقيق أهدافها، أو فرض معادلات جديدة، لكن ذلك لا يعني أنها الخيار الوحيد، أو أنها الطريق المضمون لتحقيق الاستقرار. فكل حرب تحمل نتائج لا يمكن التنبؤ بها بالكامل، وقد تتجاوز آثارها حدود الدول المنخرطة فيها.
ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة صناع القرار في تغليب الحكمة على الانفعال، وإدراك أن السلام العادل، مهما كان الوصول إليه صعباً، يظل أقل كلفة من حرب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها قد تنتهي بتغيير موازين المنطقة كلها. فحين تصبح الحرب خياراً، يصبح الحفاظ على السلام مسؤولية أكبر، لا خياراً أقل أهمية.
$ كاتب و محامي كويتي