الثلاثاء 08 سبتمبر 2026
33°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
سقف الجرأة... إلى متى؟
play icon
كل الآراء

سقف الجرأة... إلى متى؟

Add as Preferred Source on Google
Time
الاثنين 07 سبتمبر 2026
فاطمة ناصر المزيعل
مرايا الروح

في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل مساحةً مفتوحة للحديث عن كل شيء، لم تعد المشكلة في أن نتحدث، بل في كيف نتحدث وماذا نقول، وأمام من؟

لاحظنا في الفترة الأخيرة تجرؤاً متزايداً لدى بعض الشخصيات النسائية، تجاوز حدَّ الجرأة في الطرح إلى انتهاك حرمة الحياء، ودخولٍ في موضوعات حسّاسة لا يليق تناولها إلا في أضيق الدوائر.

وليس في الأمر منعٌ للمرأة من التعبير؛ فمن حقها أن تكون حاضرةً، واعيةً، صاحبةَ رأيٍ ورؤية، غير أن الوعي لا تُثبَت قيمتُه بكلمات تمسّ سترَ الحياء؛ فالحياء شعارٌ وموقفٌ ولغة، لا يُرفع حين ينفع، ويُخلع حين تصبح الغاية الأضواء، واستدرار الانتباه.

ومما يدعو للأسف حقاً أن تتطرق بعض النساء إلى أمور من خصوصياتهن، ومواضيع لا يليق أصلاً أن تكون مطروحة أمام الرجال، وكأن الحياء أصبح أمراً ثانوياً. وما أشد خزياً أن تُهدر المرأة خصوصيتها بيدها، وتحوّل ما ينبغي أن يُصان ويُستر إلى حديثٍ متاح للجميع.

هناك فرق بين التوعية وكشف المستور، وبين مناقشة قضية اجتماعية وتحويل التفاصيل الحساسة إلى مادة للفرجة. والمفارقة أن البعض يبرر هذه الجرأة بأنها "صراحة" أو "كسر للتابوهات"، وكأن الصراحة تعني إلغاء الذوق، وكأن التطور لا يكتمل إلا حين يصبح كل شيء مباحاً للنقاش.

والفرق واضح: الجرأة في طرح المواضيع الحساسة والخاصة، التي لا يليق أن تُطرح أمام الجميع؛ قد تكون شجاعة في نظر بعضهنّ، أما الجرأة في طريقة التعبير عنها فليست بالضرورة كذلك.

وهكذا جرأة لا تليق بالمرأة، بل تُسيء إلى صورتها ومكانتها، فالمرأة الواعية تُحسن اختيار ما تطرحه، وتنتقي مواضيعها ومفرداتها بما يحفظ لها احترامها، ووقارها، ولا تجعل من مواقع التواصل مساحةً تتنازل فيها عن أدبها أو حيائها.

فقوة المرأة لا تُقاس بارتفاع سقف الجرأة، ولا بقدرتها على استخدام عبارات أو مصطلحات تتجاوز حدود الأدب، او طرح مواضيع محرجة، مستهجنة ومُخجلة، لا تليق بمقام المرأة، بل بمعرفتها متى تتحدث، ومتى تختصر، ومتى تضع حداً للكلام. وحين نفتح المنصات على مصاريعها، علينا أن نتذكر أن خلف الشاشات أجيالاً تتعلم وفتياتٍ يقلدن ومجتمعاً تتشكل ذائقته مما نكرره أمامه؛ فما نراه اليوم "مجرد كلمة" قد يصبح غداً لغةً معتادة. وليست كل شهرة نجاحاً، فبعض الكلمات تجلب المشاهدات لكنها تُسقط الهيبة، وبعض الجرأة ترفع الأرقام لكنها تخفض قيمة صاحبها.

تبقى المنصات مرآةً لأصحابها، والجميل أن يكون للإنسان حضورٌ يُسمع، لكن الأجمل أن يكون له حضورٌ يُحترم. فالحياء ليس ضعفاً ولا تراجعاً، بل رقيٌّ حين يكون في موضعه، ووعيٌّ حين يحكم الكلمة، وهيبةٌ حين يمنع صاحبه من قول كل ما يخطر بباله.

ويبقى السؤال الذي يجب أن نسأله قبل الضغط على زر "نشر": هل كل ما أستطيع قوله يليق بي أن أقوله؟

أحياناً، يكون هذا السؤال وحده كافياً ليعيد للمنصات شيئاً من احترامها، وللكلمة شيئاً من قيمتها، وللإنسان شيئاً من وقاره.

$ كاتبة كويتية

آخر الأخبار