الأربعاء 09 سبتمبر 2026
38°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
تحديات الأمن الجيوسياسي الستراتيجي الخليجي مستقبلاً
play icon
كل الآراء

تحديات الأمن الجيوسياسي الستراتيجي الخليجي مستقبلاً

Add as Preferred Source on Google
Time
الأربعاء 09 سبتمبر 2026
د. ناصر حسين عباس

يمثل مضيق هرمز العصب الحيوي لاقتصاد الطاقة العالمي، حيث يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً

وتتناول هذه المقالة التحليلية، بمعايير بحثية دقيقة، التفاعلات المعقدة التي تحكم هذا الممر المائي الستراتيجي في ظل التوترات الراهنة، مع تقديم توصيات عملية لصناع القرار.

تستند النزاعات حول المضيق إلى جدلية قانونية؛ فبينما تؤكد دول المجتمع الدولي على حق "المرور العابر" (Transit Passage) وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، تتذرع إيران في بعض جوانب ممارساتها بعدم توقيعها الكامل على الاتفاقية، مما يخلق منطقة رمادية قانونية تُستخدم لفرض وقائع سياسية.

أحدثت "حرب المسيرات" والذكاء الاصطناعي تحولاً جوهرياً في قواعد الاشتباك. لم تعد القدرات التقليدية هي الفيصل، بل أصبحت ستراتيجية "الإنكار المعقول" هي المهيمنة؛ حيث تُشن عمليات تخريبية باستخدام تقنيات يصعب تتبع مصدرها المباشر، مما يضع القوى العظمى في مأزق ديبلوماسي وعسكري.

توصيات لصناع القرار

أولاً: لدول الخليج العربي التنويع الستراتيجي للقدرات اللوجستية:

الإسراع في استكمال وتطوير شبكات خطوط أنابيب النفط والغاز التي تتجاوز المضيق (موانئ بحر العرب والبحر الأحمر).

التعاون الأمني التكنولوجي: بناء منظومة إنذار مبكر إقليمية مشتركة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لرصد التهديدات غير المتماثلة.

الديبلوماسية الوقائية: تبني نهج "القوة الناعمة" في بناء تحالفات دولية تكرس مبدأ "حياد الممرات المائية" كمصلحة عالمية لا تقبل المساومة.

ثانياً: للمجتمع الدولي

الالتزام بالقانون الدولي: تفعيل دور محكمة العدل الدولية والمنظمات البحرية لترسيخ التفسير القانوني الموحد لـ"المرور العابر" في المضائق الدولية.

تنويع مصادر الطاقة: الاستثمار الجاد في تقنيات الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة لتقليل الارتباط الاستراتيجي بالممرات المائية عالية المخاطر.

الاستقرار الإقليمي كأولوية: يجب على القوى العظمى تبني ستراتيجية "خفض التصعيد الشاملة" بدلاً من الحلول العسكرية العابرة، لضمان استقرار سلاسل الإمداد العالمية.

كما يتطلب فهم أزمة هرمز نظرة شمولية تتجاوز التحليل العسكري، لتشمل القانون الدولي، التطور التكنولوجي، وتحولات الاقتصاد العالمي.

فتنويع المسارات اللوجستية والالتزام بالقانون الدولي يظلان الضمانة الوحيدة لأمن الطاقة العالمي.

والتكامل النفطي العابر للمضيق، وبهذا لا بد من الاستفادة من التجربة السعودية الناجحة في نقل جزء كبير من ثقلها اللوجستي إلى البحر الأحمر عبر خط أنابيب "شرق-غرب"، وأن تتجه المنظومة الخليجية إلى دراسة مشاريع ربط أنابيب نفطية تبادلية عملاقة تمتد حتى الساحل العُماني، بما يضمن تدفق النفط الكويتي والخليجي برياً إلى محطات تصدير آمنة تقع خارج نطاق التهديد الإيراني المباشر.

فالربط اللوجستي مع عُمان صمام أمان الغذاء والطاقة، إذ تمثل السلطنة، بموقعها الستراتيجية على بحر العرب والمحيط الهندي، العمق الأمني والجغرافي الحيوي الحاسم لدول الخليج وللكويت تحديداً. ويتجاوز التوجه الحالي مجرد التبادل التجاري التقليدي إلى تأسيس "منطقة أمان لوجستية مشتركة".

كذلك تأسيس مخازن وصوامع ستراتيجية مشتركة لتُخزن فيها السلع الأساسية والغذاء، لتأمين الاحتياجات الحيوية لدول المنظومة (حيث تستورد دول الخليج ما بين 80 و90 في المئة من غذائها).

تضمن هذه الآلية تدفق الإمدادات برياً عبر شبكة سكك الحديد الخليجية الموحدة وصولاً إلى الكويت، دون الحاجة لمرور سفن الشحن عبر المضيق المعطل.

كذلك اقامة ممر لوجستي موحد، من خلال ربط ميناء مبارك الكبير في أقصى الشمال بالموانئ العُمانية في أقصى الجنوب برياً عبر شبكة قطارات مخصصة للبضائع، يحول شبه الجزيرة العربية من منطقة محاصرة مائياً إلى "جسر بري عالمي" يربط خطوط التجارة الآسيوية بالأسواق الأوروبية، ويؤمنّ خطوط الإمداد العكسية وقت الأزمات والحروب.

إن إعادة هندسة الأمن الوطني اليوم، والتحول نحو الموانئ العُمانية، وبناء الممرات البرية العابرة للمضائق، لم يعد ترفاً تنموياً، أو خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل؛ بل هو تطبيق عملي حتمي للقاعدة الفقهية الراسخة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". فحماية السيادة، وضمان بقاء الدولة، وتأمين غذاء الشعوب وطاقتها، كلها واجبات شرعية وسياسية استوجبت فوراً كسر أصفاد الجغرافيا التقليدية، والعبور بالمنظومة نحو فضاء بحر العرب المفتوح.

حفظ الله الكويت وأهلها من كل سوء وبلاء.

$ كاتب كويتي

آخر الأخبار