حديث الأفق
الملك مرّ على قرية فوجد أهلها يشربون من الترعة
كبير الوزراء يأمر بشراء "زير" ووضعه على الشاطئ
لأنه أموال عامة وعهدة حكومية لازم خفير يحرسه
عيّن ستة خفراء ومثلهم سقايين للحراسة وملء الزير
لا بد من تعيين فنيين لصيانة الحمالة والغطا والكوز
نحتاج إدارة قانونية وحسابية لصرف المرتبات وحل المشكلات
إنشاء إدارة لشؤون العاملين ووضع دفاتر للحضور والانصراف
الملك قرر يروح يشوف الزير فلقاه فاضي ومكسور
الأب: إذا مت غداً سيُبدد ابني هذه الثروة في أيام
يا بني الله لا ينسى أحداً من الرزق لكنني أردتك أسداً
وقعت بين يدي قصة قصيرة شيقة للكاتب المصري الراحل الدكتور حسين مؤنس، كانت قد نشرت عام 1971 في صحيفة "الأهرام" المصرية، يتحدث فيها رمزياً عن الفساد، وهي بعنوان "إدارة عموم الزير"، مكتوبة بالعامية.
قال فيها: كان فيه ملك بيتفقد مملكته، مر على قرية لقى أهلها بيشربوا من الترعة مباشرة، فقال للحاشية: ابقوا شوفولهم أي حاجة، ولو حتى زير يشربوا منه.
كبير الوزراء على طول أمر بشراء زير ووضعه على شاطئ الترعة، علشان الناس تشرب منه.
بعد ما وصل الزير طلع موظف وقال: بس كده الزير ده يبقى أموال عامة وعهدة حكومية، لازم غفير يقوم بحراسته.
رئيسه قال له: الغفير مش شغلته يملا الزير، لازم سقّا يملاه كل يوم.
طبعا اكتشفوا إنه مش معقول غفير واحد، ولا سقا واحد، هايشتغل طول الأسبوع، فتم تعيين ستة خفراء وستة سقايين للعمل بنظام الورديات لحراسة وملء الزير.
هنا ظهر موظف تاني وقال لهم: الزير ده محتاج حمالة وغطا وكوز، فلابد من تعيين فنيين لصيانة الحمالة والغطا والكوز.
هنا بادر موظف خبير متعمق فقال: طيب ومين اللي ها يعمل كشوف المرتبات للناس دي كلها؟ لا بد من إدارة حسابية، وتعيين محاسبين لصرف المرتبات.
موظف أكبر قال لهم: على كده لازم حد يتابعهم، ويشرف على كل العاملين، فتم إنشاء إدارة لشؤون العاملين، ووضع دفاتر حضور وانصراف للموظفين والعاملين.
موظف تاني أضاف: طيب لو حصل أي تجاوزات أو منازعات بين العمال مين اللي هيفصل فيها؟ لازم نعمل إدارة شؤون قانونية للتحقيق مع المخالفين، والفصل بين المتنازعين.
لما وصل الموضوع إلى كبير الموظفين، قال: ومين اللي حيرأس كل الموظفين دول، لازم ننتدب موظف كبير لأن الإدارة بقت كبيرة؟
بعد مرور سنة، صادف إن الملك مر تاني في نفس المنطقة، لقى مبنى فخم، وعليه يافطة كبيرة مكتوب عليها الإدارة العامة لشؤون الزير.
لقى في المبنى غرف وقاعات اجتماعات ومكاتب كثيرة، لقى كمان راجل مهيب قاعد على مكتب كبير قدامه يافطة: الأستاذ مدير عام شؤون الزير.
تساءل الملك عن سر المبنى الجديد ده، والإدارة الغريبة اللي أول مرة يسمع عنها؟
الحاشية الملكية قالوا له: يا جلالتك كل ده لرعاية الزير اللي حضرتك أمرت بيه السنة اللي فاتت.
الملك فرح جداً، وقرر يروح يشوف الزير أخباره إيه، فلقاه فاضي ومكسور، وجنبه غفير وسقا نايمين وبيشخروا.
الملك لقى كمان جنبهم يافطة مكتوب عليها "تبرعوا لإصلاح الزير مع تحيات الإدارة العامة لشؤون الزير".
هذه القصة تشرح نفسها بنفسها في معظم الدول العربية.
الأب وابنه المبذر... أسد وثعلب
بينما القصة الثانية من التراث العراقي، وتحكي عن التبذير، إذ كان لأحد التجار في بغداد ولد وحيد مدلل، كان ينفق أموال أبيه يمنة ويسرى، والذي لا يتعب في المال، لهذا يسهل عليه تبديده.
بينما كان أكثر ما يهم الأب هو أنه كان يقول في نفسه: إذا مت غداً، سيبدد ابني هذه الثروة في أيام، وأنا أفنيت عمري في جمعها، وسيضيع بعدها في الحياة، لذا استشار صديقاً حكيماً له في أمر ابنة.
فقال الحكيم: أنت تتحمل المسؤولية، لأنك دللته أكثر من اللازم، ولم تجعله يحصل رزقه بيده، لهذا اجعله على رأس قافلة للتجارة.
راقت الفكرة للأب، فنادى ابنه، وقال: من الغد أنت رئيس القافلة. فقال الابن: يا أبي، لكنني لا أعرف كيف أتاجر.
رد الأب: لا يهم بيع، اشترِ، اربح، اخسر، فمعك مستشارون، إن أردت، فالمهم أن تحصل رزقك بيدك.
وافق الابن بعد إلحاح الأب، وسارت القافلة، عند المساء ألقت خيامها، وفي الصباح الباكر استفاق الابن ونظر في الصحراء، فإذا به يرى مشهداً مهيباً، أسد اصطاد أرنباً، وحمله بفمه، وجاء عند غار، وضع الأرنب وأدار ظهره، ومضى، ما هي إلا دقائق حتى خرج ثعلب أعمى من الغار، شم الرائحة، وعثر على الأرنب التقطه بفمه، ودخل إلى الغار ليأكله.
قال الفتى في نفسه: أي أحمق أبي، إذا كان الله لم ينس هذا الثعلب الأعمى من الرزق، أينساني أنا المبصر، عودوا لا نريد أن نتاجر.
وصل الابن عند أبيه قال له الأب: ما الذي أعادك؟ فقص عليه القصة، ثم قال: يا أبي، إن كان الله لم ينس هذا الثعلب الأعمى من الرزق. أينساني أنا البصير.
ضحك الأب، وكان أبلغ درس سمعة الابن في حياته، حين قال أبوه: يا بني الله لا ينسى أحدا من الرزق، لكنني أردتك أسداً يعطي، لا ثعلبا يأخذ.