الخميس 10 سبتمبر 2026
35°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الحوكمة المنقوصة... من يملك القرار؟
play icon
كل الآراء

الحوكمة المنقوصة... من يملك القرار؟

Add as Preferred Source on Google
Time
الخميس 10 سبتمبر 2026
سامي عبدالمحسن الرويشد

في اجتماع لمجلس إدارة شركة أو مؤسسة علمية، قد يبدو كل شيء مطمئنًا: لائحة حوكمة، لجان متخصصة، سياسات مكتوبة، تقارير للمخاطر، مؤشرات أداء، ومحاضر تحفظ أدق التفاصيل. ثم يصل الاجتماع إلى قرار كبير؛ استثمار جديد، إطلاق منتج، أو إيقاف مشروع لم يعد مجدياً.

هنا يحدث شيء غريب، المالية تعرض رأيها، والفريق المتخصص يقدم توصيته، والإدارة التنفيذية تنتظر موافقة، واللجنة تطلب مزيداً من الدراسة، ومجلس الإدارة يسأل عن التوصية النهائية... الجميع حاضر في صناعة القرار، لكن من يملكه فعلاً؟

قد تبدو المسألة إجرائية، لكنها أعمق من ذلك؛ لأن السؤال الحقيقي ليس: من سيوقّع القرار، بل كيف عرفت المؤسسة أن هذا هو الشخص، أو الجهة التي يجب أن تملك حق حسمه؟

وهنا تبدأ منطقة لا تكفي فيها كثرة اللوائح.

فمبادئ "G20/OECD" للحوكمة المؤسسية 2023، وهي من أهم المراجع الدولية في الحوكمة، لا تتوقف عند تشكيل المجالس واللجان؛ بل تؤكد مسؤولية مجلس الإدارة عن التوجيه الستراتيجي والرقابة والمساءلة.

وتشير إلى أهمية وضوح ما يتحمله المجلس، وما تكون الإدارة مسؤولة عنه. كما تربط الحوكمة السليمة بقدرة الشركات على اتخاذ القرارات وإدارة المخاطر، بما يعزز الاستدامة والمرونة المؤسسية.

أي أن الاستدامة ليست تقريراً أخضر في نهاية السنة؛ إنها تبدأ، في جانب مهم منها، من هندسة القرار نفسه.

ولهذا أصبحت "Decision Rights" حقوق اتخاذ القرار من الموضوعات الراسخة في أدبيات التصميم التنظيمي. ففي" المجلة الاقتصادية الأميركية" ناقشت سوزان أثي وجون روبرتس عام 2001 التصميم التنظيمي من زاوية حقوق القرار وعقود الحوافز.

وبعدها حملت "مجلة هارفارد للأعمال" عام 2006 سؤالاً شديد البساطة بعنوان مقالة تطبيقية شهيرة ?"Who Has the D" (من يملك حرف D) أي القرار النهائي؟

وكانت فكرتها أن غموض أدوار القرار يصنع اختناقات تؤثر في أداء المؤسسة مهما كانت ستراتيجيتها جيدة.

ومن الأدوات التي عالجت هذا الغموض إطار "RAPID"، الذي يفصل بين خمسة أدوار: من يوصي (Recommend)، ومن يجب أن يوافق (Agree)، ومن ينفذ (Perform)، ومن يقدم المعلومات والرأي (Input)، ثم من يملك الحسم (Decide). والأهم أن القرارات الجوهرية ينبغي أن يكون لها صاحب حسم واضح تتحول عنده المناقشة إلى قرار قابل للتنفيذ والمساءلة، والأمر ليس تنظيراً معلقاً في الكتب.

في شركة " وايث للأدوية"، كشفت الحاجة إلى التحرك سريع بشأن دواء واعد عن أثر تداخل اللجان، وبطء انتقال القرار، فاستُخدم" RAPID" لتحديد الأدوار، ودفع بعض المسؤوليات إلى الوحدات الأقرب إلى المعرفة.

وفي مجموعة "Embedded and Communication Group" التابعة لـ"Intel"، جرى تحديد صاحب القرار والمدخلات المطلوبة في قرارات خارطة المنتجات، فصارت القرارات أكثر سلاسة، وأقل تعرضاً لإعادة فتحها بعد اتخاذها.

لكن هذا يترك أمامنا السؤال الأصعب: كيف نحدد مَن يجب أن يملك القرار؟

أرى أن الخطأ يبدأ حين نبدأ بالمنصب ثم نبحث له عن القرارات. والأصح أن نبدأ بالقرار نفسه: ما قيمته، ما حجم مخاطره، أين توجد المعرفة اللازمة له، من يتحمل أثره، ومن يستطيع تنفيذ نتائجه؟

ثم نوزع حوله أدوار التوصية والمشورة والموافقة والتنفيذ، ونحسم أخيرًا مَن يملك القرار النهائي.

فالقرار الاستثماري الكبير ليس كقرار تشغيل يومي، والقرار المتعلق بمسار بحث علمي ليس كشراء أجهزة للمختبر، وقرار إيقاف منتج ليس كاختيار حملة تسويقية. اختلاف القرار يجب أن يسبق اختلاف صاحب القرار.

وللإدارة هنا أصل قيمي أوسع من المصطلحات الحديثة. فقد قال النبي(صلى الله عليه وسلم): "إن الله كتب الإحسان على كل شيء"، (رواه مسلم. وشرح ابن رجب هذا المعنى في جامع العلوم والحكم: بأن الإحسان في الواجبات يكون "بالإتيان بها على وجه كمال واجباتها".

والحديث ليس نصاً في "Corporate Governance" بالطبع، لكن معناه يضع معياراً أخلاقياً مهماً: أن أداء العمل لا يكتمل بمجرد وجود صورته، بل باستكمال ما يؤديه على وجهه.

وهنا يظهر ما أسميه الحوكمة المنقوصة.

ليست المؤسسة بلا حوكمة؛ فقد تمتلك اللوائح والمجالس واللجان والتقارير كلها. لكنها تترك فراغاً صغيراً في المكان الأخطر: من يملك حق القرار، ولماذا يملكه، ومن يتحمل نتيجته؟

وربما تكون الحوكمة المنقوصة أخطر من غياب الحوكمة؛ لأن الغياب ظاهر، أما النقص فقد يختبئ خلف اكتمال الشكل.

لا تسأل المؤسسة بعد اتخاذ القرار: مَن المسؤول عنه، اسأل قبل اتخاذه: لماذا يملك هذا الطرف حق حسمه أصلاً؟

فالاستدامة لا يحميها عدد اللجان، بل أن تعرف المؤسسة، قبل أن يبدأ النقاش، أين تنتهي الآراء… وأين يبدأ القرار.

$ كاتب كويتي

آخر الأخبار