الخميس 10 سبتمبر 2026
35°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
هل تستطيع إيران تحويل التفوق الأميركي مأزقاً انتخابياً؟
play icon
كل الآراء

هل تستطيع إيران تحويل التفوق الأميركي مأزقاً انتخابياً؟

Add as Preferred Source on Google
Time
الخميس 10 سبتمبر 2026
د.عائد الهلالي

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي تعبره ناقلات النفط في طريقها إلى الأسواق العالمية، ولم تعد أهميته محصورة في كونه أحد أكثر الممرات الستراتيجية حساسية في العالم.

في لحظة الحرب الحالية، تحول هرمز إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية وعسكرية، وربما العامل الأكثر قدرة على تغيير مسار المواجهة بين إيران والولايات المتحدة.

المعادلة تبدو واضحة في ظاهرها: واشنطن تمتلك التفوق العسكري، وطهران تمتلك الجغرافيا. لكن الحروب لا تُحسم دائماً بمن يمتلك الطائرات والصواريخ الأكثر تطوراً؛ أحياناً تُحسم بمن يستطيع جعل كلفة الحرب أكبر من قدرة الخصم على تحملها...

وهنا يأتي أهمية مضيق هرمز.

إيران لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيق كاملاً، يكفي أن تجعل حركة السفن أكثر خطورة، وأن ترفع كلفة التأمين والشحن، وأن تدفع بعض الشركات إلى تأجيل الرحلات، أو تغيير مساراتها.

عندها يبدأ تأثير هرمز بالظهور في مكان آخر تماماً: محطات الوقود الأميركية، أسعار المواد الغذائية، تكاليف النقل، التضخم، ثم في النهاية داخل صناديق الاقتراع.

فالبرميل الذي يرتفع من 80 إلى 90 دولاراً قد يكون خبراً اقتصادياً، أما اقترابه من المئة، واستمراره عند مستويات مرتفعة، فيمكن أن يتحول إلى قضية سياسية تمس المواطن الأميركي مباشرة، وهنا تكمن المعضلة الأكبر أمام الرئيس دونالد ترامب والجمهوريين.

فالانتخابات النصفية تقترب، والوقت المتبقي ليس طويلاً. وفي السياسة الأميركية، يستطيع الناخب أن يتسامح مع حرب بعيدة ما دامت لا تصل إلى جيبه، لكنه يصبح أقل تسامحاً عندما ترتفع فاتورة البنزين، وتتزايد أسعار السلع، ويشعر بأن الاقتصاد الذي وعدته الإدارة بالازدهار بدأ يدفع ثمن حرب، لا تبدو لها نهاية واضحة.

إيران تدرك هذه المعادلة جيداً، لذلك قد لا يكون هدفها العسكري المباشر هو تحقيق انتصار تقليدي على القوات الأميركية، فهذا هدف شديد الكلفة والتعقيد، الهدف الأكثر واقعية قد يكون استنزاف القرار السياسي الأميركي، أي تحويل التفوق العسكري إلى عبء سياسي.

فكل يوم تستمر فيه الحرب يعني تكلفة إضافية على واشنطن، وكل ارتفاع في أسعار النفط يعني ضغطاً جديداً على الإدارة، وكل حادثة بحرية في هرمز تعني توتراً إضافياً في الأسواق. وإذا ترافق ذلك مع انقسامات داخل الحزب الجمهوري، وظهور أصوات جمهورية تشكك في جدوى استمرار الحرب، فإن طهران تكون قد نقلت جزءاً من المعركة من الخليج إلى الداخل الأميركي.

وهذه نقطة شديدة الأهمية: إيران قد لا تحتاج إلى هزيمة ترامب عسكرياً إذا استطاعت دفع الناخب إلى معاقبته سياسياً.

لكن واشنطن تعرف هذه الحسابات أيضاً، ولذلك فإن خيارها ليس سهلاً. فإذا تراجعت الإدارة أمام الضغوط الإيرانية، فقد يُقرأ ذلك باعتباره انتصاراً لطهران، وإذا صعّدت أكثر، فإنها تخاطر بتوسيع الحرب ورفع أسعار النفط وربما دفع الاقتصاد العالمي إلى مرحلة أكثر اضطراباً.

وهكذا يصبح هرمز فخاً ستراتيجياً للطرفين.

إيران تريد استخدامه دون الوصول إلى نقطة الانفجار الكامل، لأن الإغلاق الشامل قد يوحد خصومها، ويمنح واشنطن مبرراً أوسع للتدخل العسكري. والولايات المتحدة تريد إبقاءه مفتوحاً، لكنها لا تستطيع ضمان ذلك من دون تحمل مخاطر عسكرية متزايدة.

أما الأسواق، فهي لا تنتظر وقوع الكارثة حتى تتصرف؛ الأسواق تسعّر الاحتمال قبل وقوعه. مجرد الخوف من تعطل الإمدادات يمكن أن يرفع الأسعار، ومجرد تراجع حركة الملاحة يمكن أن يضاعف علاوة المخاطر.

وهنا تتحول الجغرافيا إلى سلاح.

قد تكون إيران محاصرة اقتصادياً، لكنها تمتلك موقعاً تستطيع من خلاله التأثير في الاقتصاد العالمي. وقد تكون الولايات المتحدة متفوقة عسكرياً، لكنها مرتبطة باقتصاد عالمي لا يستطيع تحمل صدمة نفطية كبيرة بسهولة، لذلك فإن المعركة الحقيقية حول هرمز ليست فقط: من يستطيع السيطرة عليه، بل السؤال الأخطر هو: من يستطيع تحمل كلفة إبقائه في حالة توتر؟

إذا بقي المضيق مفتوحاً جزئياً، فقد تستمر حرب الاستنزاف. وإذا عاد المرور إلى طبيعته، فقد تتراجع الضغوط على الأسواق وواشنطن، أما إذا دخلت الملاحة مرحلة تعطّل واسع، فإن سعر النفط قد يصبح لاعباً سياسياً مستقلاً، قادراً على تغيير الحسابات في طهران وواشنطن والعواصم العالمية.

وفي النهاية، قد تكون المفارقة الكبرى أن إيران لا تراهن فقط على الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل على شيء أبسط وأشد تأثيراً: برميل النفط، فالمرتفع منه يضغط على الاقتصاد، والاقتصاد يضغط على الناخب، والناخب يضغط على السياسي.

وعند هذه النقطة يصبح مضيق هرمز أكثر من ممر بحري؛ يصبح سلاحاً انتخابياً عابراً للقارات.

وإذا نجحت طهران في إبقاء أسعار النفط مرتفعة، والحرب مفتوحة، والانقسامات الجمهورية متصاعدة، فقد تجد واشنطن نفسها أمام معركة لا يمكن حسمها بالقوة العسكرية وحدها.

ففي هرمز، قد لا تكون المعركة على الماء فقط؛ قد تكون المعركة الحقيقية على مستقبل البيت الأبيض نفسه.

$ كاتب عراقي

آخر الأخبار