في ظل الخطوات المتسارعة التي تنتهجها وزارة التربية نحو تنفيذ خطتها الستراتيجية في تكويت الوظائف التعليمية، والتي أسفرت اخيراً عن إنهاء خدمات أكثر من سبعة الاف معلم ومعلمة من الوافدين، لإفساح المجال أمام الكفاءات الوطنية، يقف الميدان التربوي أمام تحدٍ جوهري يتعلق بآلية استقطاب ودعم الكوادر الوطنية الشابة.
فبينما تفتح الوزارة أبوابها لاستقبال الخريجين الجدد، وتأهيلهم عبر برامج "المعلم المتدرب"، تبرز إشكالية قانونية ومالية تتمثل في حرمان هذه الفئة من البدلات، والكوادر المالية المخصصة لمهنة التعليم، طوال فترة التدريب، وهو قرار يحتاج إلى إعادة نظر عاجلة لتحقيق العدالة الوظيفية.
إن فلسفة التدريب قبل التعيين ليست بدعة في النظام الإداري للدولة، بل هي ركيزة أساسية تعتمد عليها مختلف الوزارات والقطاعات الحيوية.
وإذا ما أجرينا مقارنة بسيطة مع المهن التخصصية الأخرى في الدولة، نجد أن الطبيب المتدرب (سنة الامتياز)، والمهندس المتدرب، وقائدي الطائرات تحت التدريب، وغيرهم من منتسبي المهن الفنية والسيادية، يتقاضون كوادرهم، وبدلاتهم كاملة دون انتقاص طوال فترة تأهيلهم.
ولم يسجل التاريخ الإداري أن حُرم متدرب في هذه القطاعات من ميزته المالية بحجة أنه "تحت التطوير"، لأن الميزة المالية هنا ليست مجرد مكافأة، بل هي أداة جذب وضمانة للاستقرار الاجتماعي والنفسي للمتدرب.
من هنا، فإن حرمان "المعلم المتدرب" من كادره المالي يخلق نوعاً من "النشاز التنظيمي"، والتمييز غير المبرر بين قطاعات الدولة، خصوصا أن مهنة التعليم لا تقل أهمية أو مشقة عن الطب والهندسة؛ بل هي المصنع الأساسي الذي يمد هذه القطاعات بالموارد البشرية.
وحرمان المعلم الجديد من استحقاقاته المالية في بداية مشواره يشكل عامل طرد وبيئة منفرة للشباب الكويتي في الوقت الذي تسعى فيه الدولة جاهدة لتشجيعهم على الانخراط في السلك التعليمي، وسد العجز الناتجة عن خطة التكويت، لا سيما أن المصلحة العامة تقتضي معاملة المعلم المتدرب أسوة بزملائه في الوزارات الأخرى، وأن الاستثمار في المعلم يبدأ من لحظة دخوله بوابة التدريب، ومنحه الكادر كاملاً غير منقوص إلى حين اعتماده رسمياً في الوزارة، هو استحقاق أدبي وقانوني.
ولهذا نتطلع إلى وزير التربية جلال الطبطبائي المشهود له بدعم الكفاءات الوطنية، أن ينظر إلى هذا الملف بعين الرعاية، ليعاد ضبط البوصلة بما يضمن حقوق المعلمين، ويحافظ على جاذبية المهنة، ويدعم نجاح خطة التكويت برؤية شاملة ومستقرة، وفي السياق نفسه يجب أن تكون الأولوية في التعيين لمن هم في وزارة التربية ممن أكمل دراسته الجامعية، ويريد تغيير مسماه من إداري، أو إشرافي، أو غيره إلى معلم.
$ كاتب كويتي