حين نقول إن خطر النظام الإيراني الحالي أكبر بكثير مما يتوقع البعض، ليس بسبب موقف عابر، بل لأن هذا النظام يقوم على ثالوث، الأول هو الحكم القمعي، وعدم إفساح المجال لأي أصوات في الداخل تعارضه، الثاني: تعميم الفكرة الطائفية كحل في العالم، الثالث: إيجاد قوى مرتبطة عضوياً به، يسيّرها كيفما يريد، لتحقيق أهدافه، وأي تزعزع في أحد أركانه يعني هدم المعبد على رؤوس الجميع، لذا لم يكن سعيه مع نجاح الانقلاب على الشاه، إلى بناء منظومة أذرع له، لهذا الغرض.
في المقابل، خطره بدأ يتكشف حين أطلق المرحلة الجديدة من البرنامج النووي، وكذلك الصاروخي، وإذا وضعنا في الحسبان التوأمة بين الاثنين، كما هو معمول به في دول العالم التي تمتلك أسلحة نووية، نجد أنه يسعى إلى فرض رؤيته العقائدية، من خلال الإخضاع، أولاً للمحيط الجغرافي، وثانياً الدولي، وهذا لا شك دونه خرط القتاد، لأن العالم تعلم الدرس جيداً من مجموعة أحداث نووية، بدءاً من قصف هيروشيما، وصولاً إلى تشيرنوبل.
لهذا، حين يقول الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مؤتمر الحزب الجمهوري الأخير، إن "الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بالحصول على سلاح نووي"، ويصر على ذلك منذ خروجه من الاتفاق النووي السابق عام 2018، فهو يدرك جيداً، كما الكثير في هذا العالم، أن امتلاك نظام يقوم على عقيدة سياسية إرهابية، ليس مسموحاً به، تماماً كما هي الحال مع النظام النازي الذي دفع العالم ما يزيد على 70 مليون نسمة، وخراب الكثير من الدول، من أجل فرض رؤية هتلر المنحرفة عن الحقيقة الإنسانية.
لذا، هناك جملة من المواد في الدستور الإيراني فيها رؤية مفصلة لمعنى "تصدير الثورة" على الوجه الذي كان يراه الخميني، وكذلك الطغمة الحاكمة في ذلك الوقت، وطوال العقود الماضية لم يجر تعديل تلك المواد، لأنها الأساس الذي بني عليه النظام، وهذا يعني استمرار النظام على موقفه منذ 47 سنة، ما يؤكد أن ما يجري اليوم ليس أكثر من احتيال سياسي لكسب المزيد من الوقت.
في هذا الشأن، نعود إلى ما قبل نجاح الانقلاب، أي قبل عام 1979، يومها كانت المطالب الشعبية تحقيق العدالة الاجتماعية، وجعل دخل الدولة للشعب، وتعظيم الصناعات الوطنية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، ولقد ركب آيات الله الموجة، لكن كان هدفهم أبعد من ذلك، لهذا نجد الشعارات العقائدية تملأ الآفاق في الصراع الحالي.
بينما لو كانت "العدالة الاجتماعية" التي وعد بها الخميني الشعب تحققت، لكانت إيران أعظم دولة في المنطقة، اقتصادياً وتعليمياً واجتماعياً، لكن بدلاً من ذلك استخدمت عشرات المليارات لإقامة منظومة عسكرية طائفية من أجل تحقيق أهداف مستحيلة نسبة إلى الواقع الجغرافي والعرقي والديني والاقتصادي.
لهذا، اليوم تقف إيران - الدولة، وليس النظام فقط، على مفترق طرق حساس جداً، عبر عنه بكل صراحة الرئيس الحالي مسعود بزشكيان أكثر من مرة في الأسابيع الأخيرة، وهو أن استمرار الوضع على النحو السائد منذ ستة أشهر، يعني تقويض المجتمع، وكذلك القول، ولو تلميحاً، السير نحو فوضى، حين قال أول من أمس: "إن إيران تعرضت لعقوبات شديدة وواسعة النطاق في السنوات الأخيرة، وقد وصلت هذه الضغوط إلى مرحلة حرجة وخطيرة في الأشهر الأخيرة".
على هذا الأساس، حين حرّكت ذراعها الحوثي في اليمن، كانت تحاول رمي عصفورين بحجر واحد، الأول زعزعة الوضع الخليجي، من خلال استهداف المملكة العربية السعودية، والثاني حرف الأنظار عن نكبتها في لبنان، وكذلك الداخل الإيراني... لكن ككل مرة ستكون هزيمة الحرس الثوري مدوية.