الأحد 13 سبتمبر 2026
35°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
حين يصبح الشعر سلاحاً ذا حدّين
play icon
كل الآراء

حين يصبح الشعر سلاحاً ذا حدّين

Add as Preferred Source on Google
Time
الأحد 13 سبتمبر 2026
عبدالنبي الشعلة
وقفة

يُعدّ الشعر، خصوصاً عند العرب، واحداً من أهم عناصر القوة الناعمة، وأكثرها رسوخاً وتأثيراً؛ فقد كان منذ أقدم العصور سجلاً للذاكرة، ولساناً للقبيلة والأمة، ومنبراً للدفاع عن القيم والكرامة والهوية.

وفي أوقات الأزمات والتحديات الأمنية، تتضاعف أهميته؛ لأن الشعوب لا تحمي أوطانها بالسلاح والتحالفات وحدها، إنما تحميها أيضاً بالكلمة التي تجمع ولا تفرّق، وتبني الوعي ولا تستثير الغرائز.

وقبل فترة ليست طويلة، كتبت مقالة عن زيارتي مقهى "سلافيا" في مدينة براغ، الذي كان يرتاده الشاعر العراقي العربي الكبير محمد مهدي الجواهري خلال سنوات منفاه. وذكرت أنه كتب هناك بعض أجمل قصائده وأكثرها تعبيراً عن الحنين إلى العراق، وأن الشعر ظل عنده مرتبطاً بالوطن والحرية والعدالة، منذ أن فقد شقيقه جعفر في "وثبة يناير" عام 1948، فخلّده بقصيدته الشهيرة التي مطلعها:

"أتعلمُ أم أنتَ لا تعلمُ

بأنَّ جراحَ الضحايا فمُ".

وقد ظننت أن المقالة لن تحظى باهتمام يُذكر، والناس منشغلون بما تتعرض له منطقتنا من أخطار وتهديدات. غير أنه أثار اهتمام عدد من المثقفين والقراء، وتلقيت تعليقات تناولت الجواهري وشعره، ومواقفه السياسية من زوايا متعددة، كان بعضها نقدياً وقاسياً.

فقد وضعه بعض المعلقين في زمرة الشعراء الذين لم يلتزموا دائماً بالقيم التي تغنوا بها، إنما تنقلوا بقصائدهم بين الحكام والعهود، يمدحون من يقرّبهم ويهجون من يبعدهم.

واستندوا إلى أن الجواهري عمل مدة في البلاط الملكي العراقي، وأشاد برجالات العهد الملكي، ثم رحّب بحركة الرابع عشر من يوليو 1958 التي أسقطت الملكية في مشهد دموي، ومدح قائدها عبدالكريم قاسم، قبل أن يختلف معه ويغادر العراق. ثم عاد في عهد "البعث"، وأقام صلات مع عدد من رموزه، ومن بينهم صالح مهدي عماش.

ومن الأبيات التي نُسبت إليه في هذا السياق:

"بعثٌ تشيّده الجماجم والدمُ

تتهدّم الدنيا ولا يتهدّمُ".

غير أن البحث يكشف أن نسبة هذا البيت إلى الجواهري غير صحيحة؛ إذ يُنسب في روايات متداولة إلى صالح مهدي عماش، وفي روايات أخرى إلى الشاعر العراقي عبدالمحسن عقراوي. ولذلك لا يجوز تحميل الجواهري مسؤولية بيت لم تثبت نسبته إليه، مهما تكن مواقفنا من تقلباته السياسية.

لكن تبرئته من هذا البيت لا تعني تبرئته تماماً من استخدام الشعر في التحريض على الشدة والبطش. ففي قصيدته "أرح ركابك"، التي ألقاها أمام عبدالكريم قاسم بعد سقوط الحكم الملكي، قال:

"أقدمْ فأنتَ على الإقدام منطبعٌ

وابطشْ فأنتَ على التنكيل مقتدرُ".

ثم قال:

"فضيّق الحبلَ واشددْ من خناقهمُ

فربما كان في إرخائه ضررُ".

وهي أبيات لا يمكن قراءتها اليوم من دون التوقف أمام لغتها الحادة، وما تحمله من دعوة صريحة إلى البطش والتنكيل، حتى وإن كان الشاعر يرى، في ظرفها التاريخي، أن الجمهورية الوليدة تتعرض لمؤامرات داخلية وخارجية.

غير أن فهم الظروف لا يعني تبرير المضمون؛ فالشاعر، مهما بلغ غضبه، يظل مسؤولاً عن كلمته، لا سيما حين تكون له مكانة الجواهري وتأثيره. فكلمة الشاعر الكبير لا تبقى حبيسة الديوان، وإنما تتحول إلى موقف عام، وقد تصبح غطاءً أدبياً للانتقام والإقصاء والعنف.

وهنا تكمن المفارقة في تجربة الجواهري؛ فهو الذي نطق بلسان الضحايا، وخلّد الحرية والعدالة والوطن، وهو نفسه الذي اندفع، في لحظة سياسية محتدمة، إلى لغة تناقض بعض القيم الإنسانية التي دافع عنها.

وهو تناقض يكشف مأزق المثقف العربي حين تقترب منه السلطة، أو تجرفه الحماسة الأيديولوجية، فيتحول من ضمير ناصح للحاكم إلى صوت يحرضه.

وفي أدق المراحل التي تمر بها منطقتنا، نحن أحوج ما نكون إلى شعر وثقافة، وإعلام يعززون مناعة المجتمع ووحدته، بعيداً عن التحريض والانتقام. فالشعر سلاح ذو حدّين: قد يكون جسراً للمحبة والوعي، وقد يصبح وقوداً للكراهية والعنف. وتبقى عظمة الشاعر الحقيقية في أن يجعل كلمته نصيرًا للإنسان، لا مبرراً للبطش به.

$ وزير العمل والتنمية الاجتماعية البحريني سابقاً

آخر الأخبار