العالم الذي وقف مع الكويت في محنة الغزو العراقي، ليس كالعالم الذي برّر عدوان صدام حسين على الكويت، بحجج وذرائع مختلفة، يعرف جيداً صوت وصورة الأخ الكبير المرحوم الشيخ سعود الناصر الصباح؛ السفير، الوزير، الديبلوماسي المفوّه والسياسي الصلب، الذي خاض معارك، سياسية وإعلامية، في العاصمة الأميركية واشنطن، وواصل الليل بالنهار بالتنسيق مع القيادة السياسية الشرعية في الطائف.
لم يتوقف الشيخ سعود، أبو فواز، عند تحرير الكويت، ولم يتخذ موقفاً هادئاً أو مهادناً بعد التحرير، سواء خلال توليه وزارة الإعلام، أو خارجها، بل واصل التصدي للافتراءات والمزاعم، أياً كان مصدرها، كويتياً، أو غير كويتي.
اختار الشيخ سعود المواجهة، ووضع الأمور في نصابها الصحيح، وأعاد ترتيب الرواية السياسية والإعلامية.
كما كشف محاولات بعض المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين، الذين زاروا واشنطن، وأقحموا أنفسهم في زيارة الوفد الشعبي الكويتي، وسعى بعضهم إلى التأثير في القرار الأميركي. غير أن السفير الشيخ سعود الناصر وضع حداً لتلك المزايدات والتدخلات، ووثّق موقفه ومعلوماته عبر القنوات التلفزيونية العربية والصحافة الكويتية.
ولم يمر أي رد على ما طرحه الشيخ سعود من دون أن يقابله برد موثق ودقيق، كشف المغالطات، وفنّد المزايدات بالحجة والوثيقة.
ولم يقتصر موقفه على التصدي للادعاءات الكويتية الصادرة عن جماعة الإخوان المسلمين، بل كشف أيضاً كواليس مواقف السفيرة الأميركية السابقة لدى بغداد، أبريل غلاسبي، التي اتسمت بالتعاطف مع طاغية بغداد صدام حسين، وبإعجاب مبالغ فيه بشخصيته، رغم ما اتسمت به من اضطراب سياسي وفكري.
ولم يكن الحديث عن مواقف السفيرة غلاسبي سراً في الأوساط الكويتية، بل كان نقاشاً علنياً وموضوعياً في واشنطن، وفي أروقة وزارة الخارجية الأميركية، وحتى مع السفيرة نفسها.
ولم أتفق، آنذاك، مع قرار وقف إصدار صحيفة "صوت الكويت"، إلا أن الشيخ سعود شرح لي الملابسات، المالية والإدارية والسياسية، التي حالت دون استمرارها، أو الإفصاح عن تفاصيلها للرأي العام.
وقد حاولت إقناعه بإعادة النظر في القرار حفاظاً على مشروع إعلامي وطني، كان يمكن تطويره والاستفادة منه، لكن ظروفاً خارجة عن إرادته، فرضت إغلاق هذا الملف، وطي صفحته.
إن الحديث عن رجالات الدولة الذين خدموا الكويت في مرحلة الغزو والتحرير لا يمكن حصره، أو إيفاؤه حقه.
ولعلنا لا نبالغ إذا استحضرنا الدور الوطني الكبير للأمير الوالد الشيخ سعد العبدالله الصباح، رحمه الله، عندما كان ولياً للعهد، رئيساً لمجلس الوزراء، وما اضطلع به من دور مؤثر في ترتيبات مؤتمر جدة الشعبي، ولجنة تقصي الحقائق في مجلس الأمة.
إن توثيق التاريخ، لا سيما في ذكرى الغزو العراقي والتحرير، لا يتجزأ، ولا ينبغي أن يُهمل.
فلدينا من الشيوخ والمواطنين، نساءً ورجالاً، ومن الشخصيات الوطنية، من يستحقون التوثيق واستحضار أدوارهم، وفي مقدمتهم الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد، الذي اضطلع بدور ديبلوماسي، عربي ودولي، بارز في الدفاع عن قضية الكويت، إلى جانب الشيخ سعد العبدالله، والشيخ سعود الناصر، وغيرهم ممن أسهموا في صناعة صفحات مشرقة من تاريخ الكويت.
ومن هنا، نتمنى أن تبادر الجهات المعنية إلى توثيق السيرة السياسية والديبلوماسية والوطنية للشيخ صباح الأحمد، والشيخ سعد العبدالله، والشيخ سعود الناصر، وغيرهم من رجالات الكويت، حتى تكتمل الرواية الوطنية، وتبقى صفحات التاريخ شاهدة على من صنعها، لا على من رووها فقط.
فالشيخ سعود الناصر لم يكن مجرد سفير أو وزير، بل كان أحد أبرز صناع الرواية السياسية والإعلامية للكويت في الخارج، وأحد أهم الأصوات التي دافعت عن شرعية الدولة، وكشفت بالحجة والوثيقة كثيراً من المغالطات التي رافقت الغزو العراقي للكويت.
وإنصافه، وإنصاف جميع رجالات الكويت الذين حملوا مسؤولية الدفاع عن الوطن في الداخل والخارج، ليس تكريماً لأشخاصهم فقط، بل وفاء للحقيقة، وحماية للذاكرة الوطنية، ورسالة للأجيال بأن الأوطان تُبنى بالمواقف، وتُصان بالتوثيق، ولا يجوز أن يطوي النسيان صفحات من صنعوا تاريخ الكويت، أو أن تبقى تضحياتهم خارج الرواية الوطنية التي تستحقها الكويت.