إدارة المؤسسات الاقتصادية والتجارية الكبرى لديها دليل إجراءات مكتوب ومطبّق، وتستخدم أحدث الأنظمة التقنية، وتملك منصة رقمية قوية يُفترض معها استحالة وقوع أي خطأ إجرائي. لكن النظام الذي لا يخطئ لأن موظفاً واحداً يمنعه من الخطأ، ليس قوياً.
قد تبدو المؤسسة محكمة من الخارج: المعاملات منتظمة، والعملاء راضون، والتقارير لا تسجل تعطلاً. غير أن موظفاً يعرف، من أين تبدأ المشكلة، ومن يُتصل به حين تعجز الشاشة عن الإجابة، وكيف يُنفذ الاستثناء من غير أن يتحول إلى أزمة.
وكلما ازدادت كفاءته، ازدادت قدرة المؤسسة على إخفاء ضعفها؛ فهو يلتقط الخطأ قبل أن يظهر في التقرير، ويرمم الإجراء قبل أن يصل إلى الإدارة، ويمنع الخسارة.
أسمي هذا الاعتماد "الدَّين التشغيلي البشري"؛ وهو مفهوم يقترحه كاتب هذه الاسطر لوصف ما تستدينه المؤسسة يومياً من ذاكرة شخص، وحكمه المهني وعلاقاته، وتدخلاته غير الموثقة، من غير أن تثبت ذلك في دفاترها.
لا تظهر لهذا الدين أقساط شهرية، ولا تخصم قيمته من الأرباح، لكنه يصبح مستحقاً كاملاً يوم استقالة صاحبه، أو مرضه، أو انتقاله إلى منافس. عندها لا تفقد المؤسسة موظفاً فقط؛ بل قد تفقد جزءاً من طريقتها في العمل.
يحتاج البديل إلى أشهر ليكتشف ما كان السابق يعرفه في دقائق، وقد يتبين للمساهم أو المستثمر أن بعض الأرباح لم يكن ثمرة نظام مستدام، بل عائداً خفياً على وجود إنسان لا تملكه المؤسسة إلا بعقد قابل للانتهاء.
ولهذا تفرّق المعايير الإدارية بين وجود المعلومات وقيام "نظام لإدارة المعرفة"، كما تفرّق بين استمرار النشاط في الأيام المعتادة وامتلاك "نظام لاستمرارية الأعمال". فالإجراء المكتوب يصف الطريق الطبيعي، لكنه لا يضمن أن تعرف المؤسسة كيف تتصرف إذا أُغلق الطريق، ولا أن يمتلك شخص آخر المعرفة والصلاحية والعلاقات اللازمة لفتح طريق بديل.
ولا يتعارض ذلك مع قيمة القيادة الاستثنائية. فقائد "المستوى الخامس"، في مفهوم جيم كولينز، يوجّه طموحه إلى المؤسسة وغايتها لا إلى تضخيم ذاته، وعليه، لا يكون أعظم إنجاز للقيادي أن يجعل الجميع في حاجة دائمة إليه، بل أن يحوّل خبرته إلى قدرة تبقى بعده.
غير أن فصل الرسالة عن حاملها ليس اكتشافاً إدارياً حديثاً. قال الله تعالى: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ".
وقال الإمام القرطبي في تفسيرها: "يجب التمسك بما أتت به الرسل وإن فُقد الرسول بموت أو قتل"، ثم قرر أن "الأديان لا تزول بموت الأنبياء".
وحين جهر أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) بهذه الآية بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)، لم يُعِد الرجل الذي فُقد، بل أعاد إلى الجماعة قدرتها على الاستمرار من بعده.
بقيت الفاجعة، لكن الاضطراب لم يتحول إلى انهيار؛ لأن الأصل كان أكبر من الأشخاص، والرسالة أبقى من حاملها.
لا يبدأ العلاج بكتابة مزيد من الإجراءات؛ فقد تكون المشكلة أن المؤسسة توثق العمل الذي تعرفه، وتترك بلا توثيق العمل الذي لا يعرفه إلا واحد. البداية الأذكى أن تبحث عن القرارات التي تنتظر شخصاً بعينه، والعملاء الذين لا يتصلون إلا به، والاستثناءات التي لا تتحرك إلا من هاتفه، والأخطاء التي لا يكتشفها النظام لأنه اعتاد أن يسبقها. ثم يأتي الاختبار الذي لا تجامله التقارير.
ففي القطاع المصرفي يُعرف إجراء رقابي باسم "الغياب الإلزامي"، وقد وجّه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى تغييب شاغلي المواقع الحساسة مدةً متصلة، على أن يتولى موظف آخر أعمالهم اليومية أثناءها. وإذا كان غرض الإجراء الأصلي تعزيز الرقابة، وكشف المخالفات التي تحتاج إلى حضور مرتكبها، فإن منطقه يقدم للمؤسسات الاقتصادية اختباراً آخر بالغ الذكاء: فما يتوقف، أو يتباطأ، أو ينتظر عودة صاحبه، هو الجزء الذي لم يصبح مؤسسيًا بعد.
القرار الأول أن توظف المؤسسة شخصاً استثنائياً. أما القرار الثاني، فهو أن تحوّل استثنائيته إلى معرفة موزعة، وبديل قادر، وعلاقات تملكها المؤسسة، ونظام لا يحتاج إلى بطل كي يبدو سليمًا. فالشركة التي لا تعمل إلا بحضور موظفها لا تملكه؛ هو الذي يملك استمرارها.
والخطر ليس أن يغادر الكفء، بل أن نكتشف يوم يغادر أن جزءاً من المؤسسة كان مسجلًا باسمه، لا في دفاترها.
$ كاتب كويتي