مرايا الروح
ما قطعنا رحماً يوماً، ولا طوينا مودّةً صادقة عن عمد، لكننا - حين ابتعدنا- لم يكن ابتعادنا هروباً، بل نجاةً من الخُبث؛ من الحسد الذي يُخفيه البعض خلف الابتسامات، ومن النفاق الذي تُجيده الوجوه المتبدّلة، ومن قلوبٍ لا تعرف للصفاء طريقاً.
اخترنا البُعد، لأن راحة الروح أثمن من صحبةٍ تُثقلها النوايا الملوّثة، واتقاءً لسمٍّ يسري في العَلاقات كما يسري الدخان في الهواء، لا يُرى من بعيد، لكنه يخنق من بقي طويلاً في حضرته.
نحن لا نهجر القُربى، ولا نطفئ نور الودّ الذي أنار الطريق ذات يوم، لكننا نُغلق الأبواب التي دخل منها الأذى مراراً، دون اعتذار.
نبتعد عن أولئك الذين استرخصوا قدرنا، واستهانوا بمكانتنا، وتعمدوا استغفالنا، وتجاهل حضورنا، وأمعنوا في تصغير شأننا، وقلوبهم يملؤها الحسد، وعيونهم لا تراك إلا خصماً في كل نعمة، ومنافساً في كل نجاح. فبعض المسافات ليست جفاءً، بل كرامةٌ نحفظ بها أنفسنا عن علاقاتٍ لا تُقدّرنا كما نستحق.
إن للمروءة حدوداً، وللصبر أيضاً سقفاً لا يُبنى فوقه. والذين يظنّون أن الطيبة ضعف، وأن التسامح غفلة، وأن الترفع تكلّف، لا يعرفون شيئاً عن أخلاق النفوس التي اعتادت أن ترتقي بدل أن تتقاتل، وأن تنأى بدل أن تُنافق.
لسنا من القاطعين، لكننا لسنا من المتنازلين عن كرامتنا تحت اسم "صِلة"، ولا من الخاضعين للأذى تحت شعار "التحمّل".
أن تكون رحيماً لا يعني أن تُرهق، وأن تكون ودوداً لا يعني أن تُستغل، وأن تكون صادقاً، لا يعني أن تُكافأ بأن يُشوَّه نقاؤك، ويُنتقص من قدرك، ويُقابَل صدقك بالجحود.
فهناك علاقات، حتى وإن جمعتنا بها صلةُ الدم، يخيّم عليها للأسف جوٌّ من الضغينة والغيرة، حتى تشعر، وأنت بينهم، أنك غريبٌ لا تنتمي إلى المكان. والأشد إيلاماً أن تُدرك أن بعض القلوب قد غاب عنها استحضار الله في نواياها حتى، فلم تعد تزن كلماتها ومواقفها بميزان التقوى، ولا تستشعر أن ما تُخفيه الصدور يعلمه الله قبل أن تبوح به الألسن.
تجدهم يباركون لك في العلن، ويذوبون حنقاً في السر، هؤلاء هم سُمّ العلاقات ولو نطقوا بأحلى الكلام.
اما من أحبّك حقاً، لم يحمل عليك غيباً، ولم يتمنَّ لك العثرة، ولم يُسقِط نورك في قلبه كلما ازددت إشراقًا.
فلا تلُمنا إن ارتفعنا بأنفسنا عنهم، فما كانت الرفعة يوماً كِبراً، إذا كانت ابتعاداً عن مواطن الأذى، وما كان التوقي يومًا هروباً، إذا كان صوناً للكرامة.
نحن نُصافح الجميع، لكننا لا نُجالس كل أحد. نفتح قلوبنا، لكننا نغلقها عن الذين يجعلون من المودّة ساحةً للانتقاص، ومن التقدير والحب مسرحاً للغيرة، ومن القرب جسراً للسمّ.
الحياة قصيرة، والروح أكرم من أن تُهدر في علاقاتٍ تُفسد صفاءها، وتسرق سكينتها.
فلنعفُ، لكن دون أن نُعيد ذات الأبواب.
ولنصل ما استقام، لكن دون أن نطأ مواطن الوضاعة باسم الفضيلة.
وكما ذكرنا، فما كلُّ ابتعادٍ جفاء، ولا كل صمتٍ خصومة، ولا كل تجاهلٍ قطيعة.
لكن بعض السكوت حكمة، وبعض البُعد سلامٌ للروح، وبعض الغياب… مروءة. وقد قال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه):
"لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرًّا".
وحرية النفس، أن لا تُسلمها لمَن لا يعرف قدرها، ولو كان من أقرب الخَلق.
$ كاتبة كويتية