أكد أن تحقيقه يتطلب حزمة من السياسات المالية والنقدية لمواجهة التوترات الجيوسياسية
بناء نظام نقدي لضمان حرية تدفق رؤوس الأموال دون عوائق
ناجح بلال
فرضت التوترات الجيوسياسية المتلاحقة التي تمر بها المنطقة نقاشات حاسمة حول فكرة العملة الخليجية الموحدة حيث برزت الحاجة الملحة إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى في ظل استمرار الحرب التي دارت رحاها في المنطقة منذ نهاية فبراير الماضي ولا زالت تلقي بظلالها الوخيمة على اقتصادات دول الخليج.
وفرض هذا المشروع النقدي الستراتيجي نفسه على بساط البحث بعدما أصبح تعزيز التكامل الاقتصادي بين دول "التعاون" ضرورة حتمية لا خيارا ثانويا حيث يمثل إطلاق العملة الخليجية المشتركة ركيزة أساسية لإلغاء تكاليف التحويلات المالية وتسهيل تدفق السلع والخدمات البينية دون عوائق نقدية فضلا عن دورها المحوري في ضمان الانتقال السلس لرؤوس الأموال والأيدي العاملة وبناء سياسة نقدية موحدة تعزز الموقف التفاوضي للمنطقة وتزيد من قدرتها التنافسية على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة نحو سوق موحدة ضخمة تجسد الهوية الاقتصادية والمصير المشترك لشعوب الخليج.
وطرحت "السياسة" تساؤل مهم، هل الظروف الراهنة تسمح بإنشاء عملة خليجية موحدة وهل وجودها بالفعل يزيد من تلاحم وعضد التعاون الاقتصادي والمالي بين دول مجلس التعاون الخليجية؟
وأجاب على هذا التساؤل الخبير الاقتصادي حجاج بوخضور، قائلا أن فكرة مشروع إطلاق عملة خليجية موحدة قابلة للتحقيق لكن نجاحها مرهون بتأسيس حزمة إجراءات تتجاوز فكرة مجرد طباعة وإصدار نقد جديد، لافتا إلى أن تطبيق هذا الحلم الخليجي يواجه تحديات هيكلية جسيمة تجعله "صعب التحقيق" في الوقت الراهن.
بنك مركزي موحد
وشدد على أن العملة المشتركة لا يمكن أن ترى النور بنجاح دون وجود بنك مركزي واحد وسياسة نقدية ومالية موحدة تحكم كافة الدول الأعضاء، ولذلك فأن إطلاق أي عملة موحدة يمثل قمة الهرم في مسيرة التكامل الاقتصادي ولا يمكن البدء به قبل تأسيس أرضية تشريعية ومؤسسية صلبة، مشيرا إلى أن الخطوة الأولى والأساسية تتطلب تنازل الدول عن جزء من سيادتها النقدية لصالح بنك مركزي موحد يتولى وحده إدارة أسعار الفائدة وطباعة العملة وهو أمر بالغ التعقيد نظرا لاختلاف الأولويات الاقتصادية ومعدلات التضخم والنمو من دولة إلى أخرى.
سياسة مالية واحدة
وأضاف بوخضور أن نجاح هذا التوجه يشترط بالضرورة صياغة سياسة مالية واحدة وبنود ميزانية متسقة إلى جانب وضع سقوف صارمة لعجز الموازنة والدين العام وذلك لمنع قيام أي دولة بالاقتراض المفرط الذي قد يتسبب في إضعاف القيمة الشرائية للعملة الموحدة والإضرار ببقية الدول الملتزمة مستشهدا بأزمة الديون الشهيرة التي واجهتها منطقة اليورو سابقا. كما دعا بوخضور إلى بناء نظام مالي متسق يدمج البيئات التشريعية والتنظيمية للبنوك والأسواق المالية لضمان حرية تدفق رؤوس الأموال دون عوائق فضلا عن ضرورة صياغة خطط اقتصادية متناسقة ومتواكبة تضمن تقريب الهياكل الاقتصادية المتفاوتة بين الدول (مثل الدول النفطية وغير النفطية) لتوحيد دوراتها الاقتصادية.
واختتم بوخضور تصريحه بالتحذير من أن العملة الموحدة ليست مجرد أداة دفع جديدة بل هي النتيجة النهائية لتكامل اقتصادي شامل، مؤكدا أن القفز فوق هذه الشروط الهيكلية الصعبة لفرض عملة مشتركة سيعمق الفجوات الاقتصادية ويسفر عن أزمات حادة بدلا من تحقيق التنمية المستهدفة.
حزمة للتحول النقدي
ولضمان العبور الآمن نحو هذا التحول النقدي حدد بوخضور حزمة من الإجراءات الأخرى الواجب استحداثها لضمان النجاح، في مقدمتها صياغة قواعد مالية ملزمة تضبط مستويات العجز والدين العام إلى جانب إطلاق صندوق للاستقرار المالي مع أهمية الاستفادة من البنية التحتية التكنولوجية المتطورة لدول الخليج عبر دراسة إمكانية دمج مشاريع العملات الرقمية للبنوك المركزية كخطوة تمهيدية لتسهيل التسويات المالية البينية وتقليص التكاليف، مشيرا إلى أن العقبة الأكثر تعقيدا تكمن في الجوانب السياسية المتعلقة بتوزيع النفوذ وأوزان التصويت وتحديد مقر البنك المركزي وإدارة الاحتياطيات النقدية وتحديد الجهات المتحملة لكلفة الأزمات واختتم تصريحه بالتشديد على أن العملة الموحدة تمثل مكسبا حقيقيا فقط عندما تفوق وفورات التكامل كلفة التخلي عن الاستقلال النقدي مما يستوجب بناء مؤسسات مشتركة وقوية تسبق إطلاق العملة ولا تأتي بعدها.