علاقة العمل ليست رابطة عابرة تنتهي بانتهاء الدوام، ولا عقداً تُطوى صفحاته بمجرد التوقيع؛ إنما هي رابطة قانونية تنشأ بها حقوق، وتستقر في ذمة طرفيها التزامات. فإذا اختار العامل إنهاءها بالاستقالة، أو ارتأى صاحب العمل وضع حد لها، انتقلت المسألة من مجرد الإرادة إلى أثر قانوني تحكمه النصوص والضوابط؛ فلا استقالة تُسقط حقاً كفله القانون، ولا إنهاء يطلق يد صاحبه بغير قيد.
وقد نظم قانون العمل رقم 6 لسنة 2010 وتعديلاته أحكام انتهاء علاقة العمل، فأجاز لكل من طرفي العقد غير محدد المدة إنهاءه مع مراعاة مهلة الإخطار، وهي ثلاثة أشهر للعامل الذي يتقاضى أجره شهرياً، وشهر لغيره، ومن لم يراعها التزم ببدل إخطار يعادل لأجر العامل عنها.
أما خلال فترة التجربة، فيجوز لأي من الطرفين إنهاء العقد دون إخطار، ولصاحب العمل إعفاء العامل خلال مهلة الإخطار مع استمرار خدمته، واستحقاق أجره، وإذا كان الإخطار من صاحب العمل جاز للعامل التغيب يوماً كاملاً في الأسبوع، أو ثماني ساعات أثناء الأسبوع للبحث عن عمل مع استحقاقه أجره.
أما العقد محدد المدة، فإن إنهاءه بغير حق يرتب على الطرف المنهي تعويض الطرف الآخر عما أصابه من ضرر، وفي المقابل، أجازت المادة 48 للعامل إنهاء العقد دون إخطار مع استحقاق المكافأة في حالات، منها إخلال صاحب العمل بالتزماته، أو الاعتداء عليه، أو تعريض صحته أو سلامته للخطر، أو الغش والتدليس عند التعاقد، أو اتهامه بجريمة والحكم نهائياً ببراءته، أو ارتكاب صاحب العمل، أو من يمثله، فعلاً مخلاً بالآداب نحوه.
وفي الاستقالة، تتدرج المكافأة وفق مدة الخدمة؛ فإذا لم تبلغ ثلاث سنوات فلا يستحق العامل مكافأة، وإذا بلغت ثلاثاً ولم تبلغ خمساً استحق نصفها، وثلثيها إذا بلغت خمساً ولم تبلغ عشراً، وكامل المكافأة إذا بلغت عشر سنوات فأكثر، ويُعد العامل في حكم المستقيل إذا انقطع عن العمل دون عذر مقبول سبعة أيام متصلة، أو عشرين يوماً متفرقة خلال السنة.
وتُحسب المكافأة على أساس آخر أجر، مع مراعاة عناصر الأجر والمزايا المقررة قانوناً، ويُعتد بالنسبة للعامل بالقطعة بمتوسط أجره خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، وبمتوسط المزايا النقدية والعينية خلال الاثنى عشر شهراً الأخيرة، كما تُحتسب مدة الخدمة الفعلية للعامل من تاريخ التعيين إلى آخر يوم عمل، بعد خصم أيام الغياب والاجازات غير المدفوعة الأجر، ولا تخصم الاجازات المرضية غير المدفوعة لأنها اجازة كفلها القانون، ويستحق العامل مقابلاً نقدياً عن رصيد إجازاته السنوية المجتمعة.
وفي المقابل، لم يسلب القانون صاحب العمل حق إنهاء علاقة العمل، فأجازت المادة "41/أ" الفصل دون إخطار، أو تعويض، أو مكافأة في حالات، كارتكاب خطأ ترتبت عليه خسارة جسيمة، أو الحصول على العمل بالغش والتدليس، أو إفشاء أسرار المنشأة، كما أجازت الفقرة "ب" الفصل في حالات، منها الحكم النهائي في جريمة ماسة بالشرف أو الأمانة أو الأخلاق، او ارتكاب فعل مخل بالآداب في مكان العمل، أو الاعتداء على زميل أو صاحب العمل أو من يمثله، أو الاخلال بالالتزامات العقدية والقانونية، أو تكرار مخالفة التعليمات دون أن يترتب على ذلك حرمان العامل من المكافأة.
أما المادة 51 فقد أرست قاعدة حساب المكافأة؛ فالعامل الذي يتقاضى أجره باليومية أو بالاسبوع أو بالساعة أو بالقطعة يستحق أجر عشر أيام عن كل سنة خدمة من السنوات الخمس الأولى، و15 يوماً عن كل سنة من السنوات التالية، وبحد أقصى أجر سنة، أما العامل الذي يتقاضى أجره بالشهر، فيستحق أجر خمسة عشر يوماً عن كل سنة من السنوات الخمس الأولى، وأجر شهر عن كل سنة من السنوات التالية، على ألا تجاوز المكافأة أجر سنة ونصف السنة، وحمايةً للحقوق، يقع باطلاً كل تصالح أو مخالصة تنتقص من حقوق العامل خلال سريان العقد أو خلال الأشهر الثلاثة التالية لانتهائه، كما لا تُسمع عند الإنكار دعوى العامل بمضي سنة من تاريخ انتهاء العقد، ومن يتمسك بعدم سماعها يحلف اليمين بأنه أدى الدين، ويلزم قبل رفع الدعوى اللجوء إلى إدارة العمل لتسوية النزاع ودياً، فإذا تعذرت التسوية أُحيل النزاع إلى المحكمة.
وهكذا، لا تكون الاستقالة انفلاتاً من الالتزام، ولا يكون الإنهاء إطلاقاً لسلطة بلا حدود؛ فبين إرادة العامل وسلطة صاحب العمل يقف القانون، حارساً للحقوق، وضابطاً للسلطات، ومقيماً للتوازن بين طرفي علاقة العمل.
$ مستشار قانوني