مختصر مفيد
نادى القاضي على اسم المتهم، فتقدمت إليه امرأة مسنَّة مُقعدة، كان الخجل واضحاً على وجهها، ولما نظر إليها القاضي بدأت الأم بالبكاء بسبب حبس ابنها في قضية تعاطي مخدرات، فسأل القاضي الأم قائلا: "أين محامي ابنك"؟
الأم :"تركني ومشى يا حضرة القاضي"، وأكملت الأم بعد تمتمة: "هذا ولدي الوحيد، وهو اللي يرعاني ويشيلني، ويغسل رجولي"، ثم تساقطت الدموع من عينيها.
هنا ابتسم القاضي ، ثم قال لها: "أكيد مايؤذيك"؟
الأم: "لا والله... ثم بكت".
القاضي: "هل ... هو بارُ بك؟"
الأم: "والله أنه بار فيني."
القاضي: "خلاص... ما راح يعيدها"؟
الأم : "لا ما يعيدها خلاص".
القاضي: "ما رأيك"، " ننادي المحامي"؟
الأم : "لا ، خله يولي المحامي"، أنت الله يطول بعمرك ،وعمر القضاة اللي معاك".
القاضي مبتسماً، وهو يخاطب الأم: "سنخلي سبيله... والعصر إن شاء الله راح يكون الولد عندك".
هنا رفعت الأم يديها إلى السماء، ودعت لهيئة المحكمة بالتوفيق، بعد أن أدخلوا الفرح والسرور إلى قلبها ، وملأت القاعة أصوات الفرحة، وكان موقفاً وجدانياً مؤثراً على الحضور.
هذا الموقف اتخذه "القاضي الإنسان" محمد غازي المطيري وأعضاء هيئته المستشارين فوزان الفوزان وإيهاب البنا، وفي حديثٍ جانبي قال المستشار فوزان الفوزان للإعلام: "القاضي ليس جلاداً، ووظيفته تقويم المجتمع وردع الناس عن مخالفة القانون ".
وقال مصدر قضائي آخر، تعليقاً على الواقعة، إن بمجرد أن نرى الأب يبكي مع ولده، أو الأم مع ولدها، فإن هذا المنظر هو أكبر عقوبة للمتهم، وإذا كان رجلاً سيهتز، ولن يعيد فعلته بسبب موقف والديه.
وفي وقت ما وقفت أم مسنة أمام القاضي في دعوى ولدها الذي رفع قضية عليها لإخراجها من البيت، والأم تبكي أمام القاضي: "دعوه ينتظرني حتى أموت فلم يبق من العمر شيئاً"، وعلق محامون على ماحدث بالقول: "يحق للإبن بيع البيت قانوناً، لكن الرحمة أعلى من القانون في هذه الحالة".
وبعد دراسة القضية انتصرت المحكمة للأم العجوز، وقضت بوقف البيع لمدة خمس سنوات، وقد وجه القاضي كلمة للابن قبل أن يصدر حكمه، وقال له: سأقول لك كلمة وأحفظها جيداً:"هذه أمك ، وكما تدين...تُدان".
لا شك ان حكم القاضي هنا هو حكم إنساني عادل، فربما يعود الابن إلى رشده وصوابه، ويرحم ضعف أمه، وربما تذهب الأم إلى بارئها، وربما يموت الابن قبل الأم، لكنّ المؤكد أنك كما تدين تُدان، وتعني أن الجزاء يكون من جنس العمل، فكما تعامل الناس ستُعامل به يوماً.
نستخلص من هذه القصة ان الصدمة تؤثر على الإنسان ( الابن في هذه الحال)، وقد يتغير الى الأفضل، فالصدمة قد تحرك في الإنسان المشاعر، وتدفعه إلى التفكير بعمق، بما يترتب عليه تغيير شخصيته نحو الأفضل، فمايكل تايسون، بطل الملاكمة الأميركي، كان يتعاطى المخدرات، لكن لما ماتت ابنته الصغيرة ذات الأربع سنوات في سنة 2009، كان وقع الحادث عليه أليماً للغاية، فتغير سلوكه كثيراً بدرجة إيجابية، فقد اختار أن يعيش حياة أفضل من أجل أسرته.