الجمعة 18 سبتمبر 2026
37°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الخطر أمامنا... فهل نراه؟
play icon
كل الآراء

الخطر أمامنا... فهل نراه؟

Add as Preferred Source on Google
Time
الخميس 17 سبتمبر 2026
عبدالعزيز محمد العنجري

تواصلت قبل أسابيع مع صديق أجنبي شارك في إحدى حلقات النقاش المتخصصة. وكان النقاش عن شكل المنطقة التي ستتكون أمامنا بعد "اتفاق مكة" بين السعودية وتركيا وباكستان، وطبيعة القدرات العسكرية والاقتصادية، ومستقبل المنظومة الأمنية الأوسع.

وفي الفترة نفسها، كانت دوائر متخصصة ترصد انتقال بعض دروس حرب المسيّرات في أوكرانيا إلى اليمن.

وفي مطلع سبتمبر الجاري، وصلني تقرير عسكري، أعده باحثون متخصصون. وهذا أمر اعتيادي لمن يتواصل باستمرار مع مراكز البحوث؛ فالمعرفة في عالم اليوم تنتقل كحبوب اللقاح في الهواء، وتعبر الحدود بسرعة مذهلة. وما قد يبدو معلومةً شديدة الحساسية لطرف ما، قد تكون متاحةً للتداول في المصادر المفتوحة، لمن يعرف أين يبحث، وكيف يقرأ، ومع من يجلس.

التقرير رصد ظهور مسيّرات" FPV" لدى الحوثيين، وبينها نموذج تجاري جرى تعديله ليعمل بالتوجيه عبر الألياف الضوئية، بما يقلل فاعلية وسائل التشويش الإلكتروني التقليدية ضده. ووصف ما يحدث بأنه اتجاه نحو "أوكرنة" حرب المسيّرات في اليمن، أي انتقال بعض الخبرات والتقنيات التي برزت في الحرب الأوكرانية إلى الساحة اليمنية.

المعلومة وحدها لا تكفي

ومع عودة التهديد الحوثي المباشر للسعودية، لم تعد المسألة نقاشاً تقنياً بعيداً. وما يشغلني هنا سؤال أوسع: كيف نضمن أن تصل المعرفة الجديدة، مهما كان مصدرها، إلى أكبر دائرة ممكنة من كوادرنا الوطنية القادرة على تقييمها، وربطها باحتياجات الدولة؟

ومن خلال ما أتيح لي متابعته من لقاءات دولية متخصصة، لاحظت حضوراً عُمانياً متكرراً في عدد من هذه المحافل البحثية والأمنية، إلى جانب مشاركات خليجية متفاوتة. وبطبيعة الحال، لا تتيح لي هذه المشاهدات الجزئية الحكم على حجم مجمل ما تقوم به مؤسسات دول الخليج، فكثير من العمل العسكري بعيداً عن العلن.

لكن، هل نستطيع توسيع حضور كفاءاتنا أكثر داخل شبكات المعرفة الدولية، بحيث تستفيد منها وتضيف إليها، وتنقل ما يناسب احتياجاتنا إلى الداخل؟ فحتى المؤسسة القوية لا تخسر شيئاً من توسيع نوافذها على المعرفة.

وهذه القضية تتجاوز العسكريين.

من يسبقنا إلى طاولة النقاش؟

في 9 سبتمبر، فتحت لجنة الدفاع في مجلس العموم البريطاني تحقيقاً شاملاً حول مستقبل الدفاع البريطاني في الخليج: الانتشار، والجاهزية، والشراكات الدفاعية، والدروس المستخلصة من أزمات 2026. والأهم أنها تستقبل الأدلة والآراء حتى الرابع من نوفمبر المقبل. أي أن بريطانيا لا تنتظر المستقبل؛ مؤسساتها تناقش الآن كيف ستتعامل معه.

وفي المقابل، تتحرك المنطقة نفسها. فـ"اتفاق مكة" لم يتوقف عند لحظة التوقيع؛ بل بدأت تتشكل حوله بالفعل آليات مؤسسية للتعاون السياسي والدفاعي، والصناعات الدفاعية، والتطوير التكنولوجي.

التروس لا تعمل منفردة

هنا أعود إلى تشبيه الساعة الميكانيكية.

الدولة الحديثة لا تعمل بترس واحد مهما بلغت جودته. العسكري ترس، والديبلوماسي ترس، والمستثمر والباحث والأكاديمي والاقتصادي والتقني والإعلامي تروس أخرى. والقوة الحقيقية ليست في امتلاك أفضل ترس، بل في قدرة التروس كلها على التقاط الحركة من بعضها بعضاً والعمل بتناغم.

لهذا نحتاج إلى جيل جديد من رجال ونساء الدولة؛ ما أسميه "Swiss Army Knife of Statesmen": رجل الدولة متعدد الأدوات. وكما تجمع السكين السويسرية أدوات مختلفة في قطعة واحدة، نحتاج إلى شخصيات لا تكون بديلاً عن المتخصصين، ولا تدّعي معرفة كل شيء، لكنها تمتلك من تعدد المعارف والمهارات ما يمكّنها من فهم لغات التخصصات المختلفة، والوصول إلى أصحابها، وربط المؤسسات والأشخاص بعضهم ببعض، ثم تحويل المعرفة إلى قرار.

ولست أطرح ذلك حكماً على ما تقوم به مؤسسات الدولة، فكثير منه لا أعرفه ولا يُفترض أن أعرفه؛ وإنما أطرحها دعوةً إلى توسيع دائرة المشاركة والاستفادة من كل نافذة إضافية للمعرفة.

هل لدينا الكفاءات؟

السؤال الذي يستحق أن نسأله: هل نفتح أمام عدد كافٍ من أفضل كفاءاتنا الطريق إلى الغرف التي تُناقش فيها التهديدات والفرص التي قد نكتشف أهميتها غداً؟

ففي عالم تتحرك فيه التحالفات والتهديدات أسرع من الإجراءات الحكومية، لا يكفي أن تصلنا المعلومة.

وقد يكون الفارق بين دولة تلاحق الأحداث ودولة تستعد لها، في نهاية الأمر، بهذه البساطة:

مَن كان مشاركاً في غرف النقاش، ومَن انتظر حتى أصبح ما يدور فيها خبراً يقرؤه كغيره؟.

آخر الأخبار