الأحد 20 سبتمبر 2026
38°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
حين يصبح التخريب آخر مظاهر القوة
play icon
كل الآراء

حين يصبح التخريب آخر مظاهر القوة

Add as Preferred Source on Google
Time
الأحد 20 سبتمبر 2026
عبدالنبي الشعلة
وقفة

تبدأ الأنظمة الاستبدادية التوسعية غالباً بنجاحات تمنحها شعوراً زائفاً بالقدرة الدائمة. لكنها، حين تبلغ ذروة اندفاعها، تدخل مرحلة العد التنازلي، وتتحول مغامراتها إلى عوامل تسرّع سقوطها. وقد كان النظام النازي في ألمانيا، مثالاً صارخاً على ذلك؛ إذ حقق انتصارات واسعة، ثم انتهى إلى تدمير بلاده وسقوطه.

ولا يبدو أن النظام الحاكم في إيران يشذ عن هذه القاعدة، فقد أصبحت قدرته على التعطيل والتخريب تفوق قدرته على البناء والتنمية.

يستطيع إرباك الملاحة في مضيق هرمز، لكنه لا يستطيع إدارة المضيق بصورة مستقرة. ويستطيع التأثير في أسواق الطاقة وتهديد صادرات دول المنطقة، لكنه عاجز عن تأمين اقتصاد مستقر لشعبه. كما يستطيع استهداف المنشآت الخليجية، مباشرة أو عبر أذرعه، لكنه لا يستطيع حماية اقتصاده، وعملته من الانهيار.

وكان الهجوم الأخير، المنطلق من الأراضي العراقية، على محطات في خط النفط السعودي "شرق–غرب"، وما أدى إليه من توقف موقت، مثالاً على هذه المعادلة: قدرة على التعطيل من دون امتلاك بديل، وإلحاق الضرر بالآخر من دون تحقيق مكسب حقيقي لإيران أو لشعبها.

والأخطر أن هذه السياسة تهدم جسور التعايش المستقبلي بين إيران ومحيطها. فقد تتجاوز الدول خلافاتها السياسية، لكنها لا تنسى بسهولة من استهدف أمنها ومنشآتها، واقتصادها، وحياة مواطنيها. أما التعايش مع إيران أرضاً وشعباً، فهو ضرورة جغرافية وتاريخية، ومصلحة مشتركة، شريطة قيام نظام يحترم حسن الجوار وسيادة الدول.

وقد كشفت الاحتجاجات الإيرانية، التي اندلعت في ديسمبر 2025 على خلفية الأزمة الاقتصادية، ثم رفعت شعارات تطالب بإسقاط النظام، عمق الأزمة الداخلية. وتمكن النظام من قمعها بعنف، لكن القمع لا يعالج أسباب الغضب، ولا يعيد الثقة إلى شعب أنهكته الأزمات. وما لم تتغير هذه الأسباب، فإن الاحتجاج المؤجل سيظل قابلًا للانفجار من جديد.

ومنذ عام 1979، عاش النظام الإيراني في مواجهة شبه دائمة مع محيطه والمجتمع الدولي. استنزفته الحرب العراقية–الإيرانية، ثم العقوبات، والعزلة، ومغامرات التوسع الخارجي، وصولاً إلى المواجهات الأخيرة التي أضعفت منشآته العسكرية، والنووية والدفاعية، وأطاحت عدداً من قياداته.

وفي الوقت نفسه، بدأت أذرعه الإقليمية تفقد كثيراً من قوتها في لبنان وسورية وغزة، بينما تواجه أذرعه في العراق واليمن ضغوطاً متزايدة. ويكشف ذلك فشل ستراتيجية "تصدير الثورة"، إذ إن النفوذ الذي لا يستند إلى قبول الشعوب واستقرار الدول لا بد أن يتآكل.

ويتزامن هذا كله مع انهيار العملة، وارتفاع التضخم والبطالة، واتساع الفقر، وتصاعد الإحباط الشعبي، فضلاً عن الاضطراب في هياكل القيادة. وعندما تجتمع أزمة الشرعية مع الإنهاك الاقتصادي والانقسام السياسي، وفقدان الحلفاء، يصبح بقاء النظام أكثر صعوبة، وإن ظل توقيت سقوطه غير قابل للجزم.

وعلى دول الخليج أن تستعد لأي تحول مقبل بعقلانية، لا بروح الانتقام. فإذا قام في طهران نظام جديد، فسيرث دولة منهكة وشعباً دفع ثمناً باهظاً. ومن الحكمة مد اليد إلى إيران الجديدة، وتشجيعها على العودة إلى قواعد حسن الجوار، واحترام السيادة وعدم التدخل.

إن سقوط النظام، إن وقع، يجب ألا يكون سقوطاً لإيران، بل بداية لإنقاذها. فالمنطقة لا تحتاج إلى إيران ضعيفة أو ممزقة، إنما إلى إيران مستقرة ومسالمة ومزدهرة. وذلك هو الانتصار الحقيقي: أن تتحول القدرة من هدم الجسور إلى بنائها، ومن تصدير الأزمات إلى صناعة السلام.

وزير العمل والتنمية الاجتماعية البحريني سابقاً

آخر الأخبار