طالما سمعنا منذ زمن ليس ببعيد، وبخاصة في زمن الحرب الباردة، عن برامج التسلح، وسباق تصنيع أسلحة الدمار الشامل، وبرنامج حرب النجوم، وعسكرة الفضاء، وبرامج التشويش على الاتصالات وخداع الإشارات، أو أشعة ليزر وأجهزة إرباك الاستشعار في الأقمار المعادية وتعطيلها وغيرها.
واليوم عدنا نسمع من جديد، عن برامج للتسلح، وهذه المرة تسليح الفضاء، بعدما كان يجري الحديث عن عسكرته. وتسليح الفضاء يعني وضع وتطوير أسلحة فعلية، وقدرات تدميرية في الفضاء الخارجي، أو في مدار حول الأرض لمهاجمة أهداف فضائية أو أرضية، بينما تعني عسكرة الفضاء استخدام الفضاء لأغراض عسكرية وأنشطة داعمة، مثل التجسس، والاتصالات، والإنذار المبكر، أو إطلاق صواريخ من الأرض تمر عبر الفضاء لتصيب أهدافاً أرضية أخرى.
ويأتي الحديث اليوم عن تسليح الفضاء بعدما أقرّت الولايات المتحدة للمرة الأولى علناً، بأنها نشرت أسلحة في الفضاء، مما أثار تساؤلات حول دخول منافسة عسكرية جديدة مع الصين وروسيا.
فقد أعلنت إدارة ترامب أن القدرات الفضائية، بما فيها الصواريخ الاعتراضية، تشكل جزءاً أساسياً من منظومة الدفاع الجوي "القبة الذهبية"، وهي تصميم لنظام الدفاع الصاروخي المستقبلي.
وقال الرئيس الاميركي دونالد ترامب إن النظام سيتألف من تقنيات "جيل جديد" تشمل البر والبحر والفضاء، بما في ذلك أجهزة استشعار وصواريخ اعتراضية فضائية.
وهذا النظام مستوحى جزئياً من نظام القبة الحديدية الإسرائيلي، الذي تستخدمه إسرائيل لاعتراض الصواريخ منذ عام 2011، لكن القبة الذهبية ستكون أكبر بكثير، ومصممة لمواجهة طيف أوسع من التهديدات، إذ سيعتمد على الأرجح على استخدام آلاف الأقمار الاصطناعية لرصد وتتبع الصواريخ، ثم استخدام صواريخ اعتراضية في المدار لإطلاق النار على الصواريخ أثناء انطلاقها وتدميرها.
نظام "القبة الذهبية" يذكرنا ببرنامج حرب النجوم، وقال ترامب أثناء الإعلان في البيت الأبيض إنه وعد الشعب الأميركي أثناء حملته الانتخابية عام 2024 ببناء درع صاروخية متطورة، وتوقع أن تكون القبة جاهزة للعمل بالكامل قبل نهاية ولايته المقررة في 2029، مشيرا إلى أنه بمجرد اكتمال البناء ستكون القبة الذهبية قادرة على اعتراض الصواريخ "حتى لو أطلقت من الجانب الآخر من العالم أو من الفضاء.
ستتضمن القبة الذهبية معترضات وأجهزة استشعار موضوعة في الفضاء، وستكون الأنظمة التقنية الأميركية مدمجة مع القبة، وستُنشر على مراحل، مع إعطاء الأولوية للدفاع عن المناطق الأكثر عرضة للتهديد.
وقدّر ترامب تكلفة البرنامج بنحو 175 مليار دولار أميركي، رغم أن مكتب الميزانية في الكونغرس أوضح أن التكلفة الفعلية تبلغ نحو 542 مليار دولار أميركي.
برنامج القبة الذهبية أثار حفيظة كل من الصين وروسيا بوصفه ينتهك المعاهدات الدولية التي تدعو إلى الحفاظ على الفضاء لاستخدامات سلمية فقط. فبادرت الصين إلى تحذير الولايات المتحدة من أن الهيمنة على الفضاء قد تغذي سباق التسلح، للفضاء الخارجي، وتحويله إلى ساحة حرب. وانتقدت روسيا مقترح الرئيس ترامب بشأن تطوير نظام "القبة الذهبية"، ووصفته بأنه "مزعزع للاستقرار بشكل عميق ". وأشارت إلى أن برنامج القبة الذهبية أشبه بمشروع "حرب النجوم"، في عهد الرئيس رونالد ريغان إبان الحرب الباردة.
لكن ماذا ينفع التحذير وماذا يفعل الانتقاد أمام الرئيس ترامب الذي قام بتغيير اسم وزارة الدفاع في أميركا إلى وزارة "الحرب" معللا أن الاسم ينبغي أن يعكس قوة أميركا التي لا تضاهى، مذكرا بأن الولايات المتحدة تملك أكبر جيش في العالم!
كاتب سوري