الأحد 20 سبتمبر 2026
38°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
ماذا لو وُلدت عقولنا من جديد؟
play icon
كل الآراء

ماذا لو وُلدت عقولنا من جديد؟

Add as Preferred Source on Google
Time
الأحد 20 سبتمبر 2026
فاطمة اليوسف

ماذا لو استيقظنا ذات صباح، ولم نجد في رؤوسنا شيئاً مما عرفناه بالأمس؟

لا خوفاً قديماً، ولا حكماً مسبقاً، ولا صورة رسمناها لأنفسنا، ثم قضينا سنوات نحاول أن نعيش وفقها. لا أفكاراً ورثناها حتى ظننا أنها أفكارنا، ولا ذلك الصوت الذي يخبرنا: هذا صحيح، وهذا خطأ، هذا ممكن، وهذا مستحيل.

ماذا لو وُلدت عقولنا من جديد؟

ربما كانت أول صدمة ستكون لنا، أننا لن نعرف أنفسنا كما كنا نظن، فنحن لا نعيش بأجسادنا وحدها، إنما داخل أرشيف هائل من الذاكرة. كلمة قيلت في طفولتنا، خذلان جعلنا أكثر حذراً، حب جعلنا أكثر انتظاراً، وخوف قديم ظل يكبر معنا حتى أصبح جزءاً من شخصياتنا.

ثم نكبر ونقول: أنا هكذا. لكن هل نحن فعلًا هكذا، أم أننا أصبحنا هكذا؟

ثمة فرق كبير بين الاثنين.

قد نقضي أعمارنا ندافع عن صفات لم نخترها أصلاً. نقول إننا لا نثق بأحد، بينما ربما علّمنا أحدهم أن الثقة مؤلمة. نقول إننا لا نحتاج إلى الحب، بينما ربما كان الحب أكثر ما احتجناه، ولم نحصل عليه في الوقت المناسب.

لهذا، فإن ولادة العقل من جديد لا تعني فقدان الذاكرة، إنما إعادة النظر فيما فعلته بنا. كم من فكرة نحملها لأنها قيلت لنا مبكراً جداً، فلم تتح لنا فرصة السؤال عنها؟

نولد أطفالاً، ثم يبدأ العالم في الكتابة داخلنا: الأسرة، المدرسة، المجتمع، الأصدقاء، التجارب، الخسارات، النجاح والفشل. وبعد سنوات، نفتح الكتاب ونقرأه، ثم نسميه: شخصيتي.

لكن ماذا لو كان بعض ما نسميه شخصية مجرد آثار لأشخاص وأحداث مروا بنا؟

لعل أصعب ما يفعله الإنسان أن يتخلى عن شيء قديم ظنه حقيقة.

تخيلوا لو عدنا إلى بعض المواقف التي كسرتنا بعقولنا الحالية. ربما كنا سنغادر أبكر، أو نسامح، أو الأجمل: كنا سنسامح أنفسنا.

فنحن كثيراً ما نعاقب نسخاً قديمة من أنفسنا بأفكار اكتسبناها لاحقاً. نلوم الطفل لأنه لم يعرف ما يعرفه الرجل، ونحاسب الشاب لأنه لم يمتلك حكمة لم تكن لديه آنذاك.

وربما يكون النضج الحقيقي أن نفهم تلك النسخ، وأن نقول لها: كنت أعرف أقل، وكنت أخاف أكثر، ومع ذلك حاولت.

ماذا لو وُلدت عقولنا من جديد؟

ربما سنكتشف أن الحرية ليست أن نفعل ما نريد، إنما أن نعرف لماذا نريد ما نريد.

هل هذه رغبتي فعلاً، أم أنني تعلمت أن أرغب فيها؟

هل أريد النجاح، أم الصورة التي يمنحني إياها في عيون الآخرين، هل أريد هذا الشخص، أم أريد فقط أن أشعر أنني محبوب؟

كلما كبر الإنسان، أدرك أن أخطر الأشياء ليست الجهل فقط، إنما ما كان يظن أنه يعرفه.

العقل الذي يولد من جديد لا يصبح أكثر معرفة، بل أكثر اتساعاً. يتعلم أن يقول: لا أعرف. وأن يعترف بالخطأ دون أن تهتز صورته أمام نفسه.

فالأفكار ليست أبناءنا. يمكننا أن نترك بعضها يموت، حتى تتسع في داخلنا مساحة لما هو أكثر رحمة وعدلاً وقرباً من الحقيقة.

ومع ذلك، لا أظن أننا بحاجة إلى محو الماضي. نحن بحاجة إلى موقف جديد منه.

أن نحمل ذاكرتنا دون أن نحمل أوزارها، وأن نتذكر دون أن نعود، ونحزن دون أن نتحول إلى حزن.

وقد نكتشف يومًا أن أكثر ما كنا نحتاج إلى تغييره في حياتنا لم يكن العالم من حولنا، بل الطريقة التي كنا نراه بها.

كاتبة بحرينية

آخر الأخبار