الثلاثاء 22 سبتمبر 2026
36°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
حين يصبح البيت مسرحاً
play icon
كل الآراء

حين يصبح البيت مسرحاً

Add as Preferred Source on Google
Time
الثلاثاء 22 سبتمبر 2026
فاطمة ناصر المزيعل
مرايـا الروح

حين يصبح البيت مسرحاً، تتحول الخصوصية إلى فرجة، وحين تصبح الحياة محتوى، يصبح الحياء أول ما يدفع الثمن.

كان للبيت قديماً أبوابٌ تُغلق، وستائر تُسدل، وأسرار تبقى خلف الجدران؛ لا لأن أهل البيت يخشون الناس، بل لأنهم كانوا يعرفون أن للحياة حرمة، وللأسرة خصوصية، وللإنسان مساحة لا يحق لكل عابر أن يقتحمها.

اما اليوم، فقد تبدّل المشهد؛ فغرف المعيشة، والمطابخ، والملابس، والمناسبات، والوجهات المختلفة، وأدقّ تفاصيل الحياة اليومية، وحتى الخلافات، لم تعد بمنأى عن عدسة الهاتف، بل تجاوز الامر حدود البيت، حتى أصبحت بعض المشاهد تُلتقط داخل غرف النوم، وتكشف أدقّ التفاصيل، ثم تُعرض على الملأ، وكأن الخصوصية أصبحت من الماضي.

وكأن جدران البيت لم تعد كافية لحماية ما ينبغي، وكأن أقدس مساحات الحياة الخاصة أصبحت هي الأخرى قابلة للعرض والمشاركة.

فماذا بقي من الخصوصية حين تتحول البيوت إلى منصات عرض، والعلاقات إلى محتوى، واللحظات الشخصية إلى مشاهد يتداولها الآخرون، وبخلاف الصور، وكثرة اللقطات التي لا تضيف معنى ولا تحمل قيمة، تتكدّس بها وسائل التواصل الاجتماعي حتى بات الاستعراض غايةً في حد ذاته.

ولم يقف الأمر عند حدود هذه التفاصيل فقط، بل تجاوز ذلك إلى ما كان يُعدّ من أخصّ خصوصيات الإنسان. فأصبحنا نرى من يروي تفاصيل زواجه، ويكشف خلافاته، ويعرض انفصاله، دون أن يترك للحياة الزوجية سترها، والأشد غرابة أن مراحل بالغة الخصوصية في حياة المرأة، كالحمل والولادة، صارت تُعرَض لنا لحظة بلحظة.

وغيرها الكثير من الأمور التي أصبحنا نرى مبالغةً في استعراضها أمام الآخرين، دون أدنى شعور بالحرج أو الخجل!

ويأتي الخطر الأكبر حين تُبرَّر هذه الظاهرة بجملة قصيرة "الكل يفعل ذلك"، لكن كثرة الفعل ليست دليلاً على صوابه، وشيوعه لا تمنحه المشروعية.

وهل تنسجم هذه التصرفات مع قيم مجتمعنا، مع اعرافنا، مع عاداتنا وتقاليدنا التي طالما صانت الخصوصية، وحفظت للإنسان حياءه ووقاره، وأين اختفى العيب حين أصبحت أمورٌ كانت تُعدّ من صميم الخصوصية، تُعرض على الملأ بكل جرأة، وبكل خزي، دون أدنى استحياء؟

وهنا يعود الحديث إلى الحياء، ليس كقيود اجتماعية عمياء، أو خضوعٍ لأحكام الآخرين، بل كصوت داخلي هادئ يجعل الإنسان يتوقف قبل أن يكشف، وقبل أن يتحدث، وقبل أن ينشر، فالحياء وعيٌ يجعلك تستحي أن تبتذل نفسك أمام الجموع.

والخصوصية ليست ملكية تقنية، وإنما مسؤولية أخلاقية؛ لذا، لا تجعلوا بيوتكم جدراناً من زجاج، ولا تجعلوا من حياتكم الخاصة مادة للاستعراض، ولا تجعلوا غرف نومكم خلفيات للجمهور، ولا تجعلوا تفاصيل زواجكم، وانفصالكم، وخلافاتكم مادة يومية للمتابعين، كفاكم تفاهات وجهلاً، فقد آن أوان أن نُعيد للخصوصية حرمتها وللحياء مكانته.

فبعض الأشياء تزداد جمالاً حين تبقى لنا، وبعض الأسرار لا تنقص قيمتها لأنها لم تُنشر، بل تزداد قدراً لأنها بقيت في موضعها.

لذلك نحن بحاجة إلى ثورة من نوع آخر: ثورة على الاستعراض، وثورة على التقليد الأعمى، وثورة على اللهاث خلف المشاهدات، فالخصوصية ليست انغلاقًا، بل إنها إحدى صور الاحترام.أعيدوا للبيت حرمته، وأعيدوا للستائر وظيفتها. فالستارة ليست مجرد قطعة قماش تحجب نافذة؛ إنها أحياناً آخر ما يبقى بين الإنسان وخصوصيته... أسدلوا الستار احتراماً لأنفسكم، فربما كان أرقى ما يمكن أن تنشروه اليوم هو ألا تنشروا شيئاً.

كاتبة كويتية

آخر الأخبار