الأربعاء 23 سبتمبر 2026
38°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
من الأعلام الكبار محمد حميد الله الحيدر أبادي
play icon
كل الآراء

من الأعلام الكبار محمد حميد الله الحيدر أبادي

Add as Preferred Source on Google
Time
الأربعاء 23 سبتمبر 2026
محمد الفوزان
قصص إسلامية

هناك عدد كبير من الأعلام الذين كان لهم أثر واضح في الثقافة الإسلامية، ثم تراجع حضورهم في الذاكرة المعاصرة.

محمد حميد الله من أبرز الأمثلة الذي ينطبق عليه هذا الأمر.

عالم كبير الأثر، لكن حضوره في الثقافة العامة اليوم أقل بكثير من حجم إنتاجه العلمي الغزير.

هو أحد أعلام الثقافة العربية الإسلامية الكبار في العصر الحديث، محدّث وفقيه، وأحد كبار العلماء والدعاة، الذين أنجبتهم شبه القارة الهندية بعامة.

هذا الرجل الذي رفض الجنسية الفرنسية حين عُرضت عليه، فأباها مكتفياً ومفتخراً بجنسيته الحيدر أبادية. هذا الرجل أسلم على يديه أكثر من 40 الف شخص في فرنسا، خلال نصف قرن عاش فيها، كان يتقن 22 لغة، وآخر لغة تعلّمها هي التايلندية، وكان عمره 84 عاما، لم يتزوّج؛ لكنه تزوّج العلم فقط، وأنجب منه 450 كتاباً بلغات عدة، كما أنه دبج أكثر من 937 مقالة في مختلف اللغات العالمية. رفض قبول جائزة قيّمة من إحدى الدول الإسلامية قائلاً: "أنا لم أكتب ما كتبت إلا من أجل الله عز وجل، فلا تفسدوا عليّ ديني". كان يغسل الأواني بيده مع طلبته أثناء رحلتهم في فرنسا، رغم مكانته العلميّة الهائلة جداً، آنذاك.

عندما نال أرفع وسام من رئيس باكستان الراحل محمد ضياء الحق لأعماله المميزة في السيرة، تبرع بقيمة الجائزة، وهي مليون روبية لمعهد الدراسات الإسلامية في إسلام آباد قائلاً: "لو قبلت الجائزة في هذه الدنيا الفانية، فماذا سأنال هناك في الدار الباقية"؟

ولد عام 1908 في حيدر آباد، جنوب الهند، وهو ينتسب إلى أسرة ترجع جذورها إلى قبيلة قريش، هاجرت من الحجاز إلى البصرة خوفاً من بطش الحجاج بن يوسف، ثم استقر المقام بسلالتها في الهند، خلال القرن الثامن الميلادي. وفي عام 1934 التحق بجامعة الـ"سوربون" الفرنسية، فحصل منها على شهادته الثانية للدكتوراه عن رسالته المعنونة "الديبلوماسية الإسلامية في العصر النبوي والخلافة الراشدة"، وهي التي أصبحت فيما بعد كتابَه الأشهر باللغة العربية بعنوان "مجموعة الوثائق السياسية للعصر النبوي والخلافة الراشدة"، وهو أشهر كتبه.

شرّفه الله بترجمة القرآن إلى اللغة الفرنسية، وهو أوّل من أثبت أنّ الحديث الشريف تمّت كتابته في عهد النبي (عليه الصلاة والسلام) عبر تحقيق صحيفة همام بن منبّه، عن مخطوطة برلين، بعد أن حققها وعلق عليها، مع مقدمة في تاريخ تدوين الحديث، وطبعت في بيروت، وتحتوي هذه الصحيفة على أحاديث كتبها أبو هريرة الصحابي الشهير عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، وتعرف بـ"الصحيفة الصحيحة"، ثم نقلها عنه تلميذه همام بن منبه، وهذا أقدم ما وصل إلينا كتابة عن النبي، وقد عثر على مخطوطاتها في برلين أثناء دراسته في ألمانيا، ثم دله الدكتور زبير أحمد الصديقي على نسخة أخرى للصحيفة في المكتبة الظاهرية في دمشق فحقق هذه الصحيفة، وقارن بين نسختيها، وكتب مقدمةً ضافية في تدوين الحديث وكتابته في العهد النبوي، وأثبت بالبراهين الساطعة، والحجج القاطعة، أن الحديث كان يُكتب في أيام الرسول، كما أن النبي كتب كتاباً للمهاجرين والأنصار واليهود للتعامل بينهم، وهو يعتبر أول وثيقة دستورية للدولة الإسلامية التي كان رئيسها النبي (صلى الله عليه وسلم). وهكذا فنّد المزاعم الباطلة التي ينشرها أعداء الدين، إذ يقولون: "إن الأحاديث لم تُكتب إلا بعد القرن الثالث الهجري". وخرج أحاديثها التي يبلغ عددها 138 حديثاً، وهذه الصحيفة ترجمت إلى الأوردية والفرنسية والإنكليزية والتركية.

لم يتوقف هذا الرجل عن العمل والتأليف إلا بعد أن صار طريحاً للفراش لسنتين قبل وفاته، حيث كان مع ابنة أخته في الولايات المتحدة.

"الجسمُ يُذيبُهُ حقوقُ الخدمةِ

والقلبُ عذابُهُ عُلُوُّ الهمّةِ

والعمرُ بذاك ينقضي في تعبٍ

والراحةُ ماتتْ فعليها الرحمةُ".

توفي سنة 2002 في الرابعة والتسعين من عمره. إنه فضيلة الشيخ الدكتور محمد حميد الله الحيدرأبادي الهندي. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

"عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ

وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ

وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها

وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائم".

$ إمام وخطيب

آخر الأخبار