للخطط بابان: بابٌ تدخل منه إلى الوثائق، وبابٌ تدخل منه إلى المؤسسة، وبين البابين تسقط خططٌ كاملة؛ لأن من اعتمدها ظنّ أن توقيعه قد فتحهما معاً.
فالخطة قد تكون صحيحة في غايتها، متماسكة في منطقها، ومبنية على حاجة حقيقية، ثم تفشل عند أول احتكاك بالعمل؛ لا لأن القرار كان خطأ، بل لأن المؤسسة انتقلت من الاعتماد إلى التنفيذ، من دون مرحلة تثبت صلاحيتها للبدء. اعتماد الخطة يجيب عن سؤال: ماذا نريد؟ أما التنفيذ فيحتاج إلى سؤال آخر: هل أصبحنا قادرين على فعله الآن؟
وبين السؤالين يقع قرار مستقل أقترح تسميته "قرار الجاهزية".
يسمي علم التنفيذ هذه المنطقة "مرحلة ما قبل التنفيذ"، ويربطها بمفهوم الجاهزية التنظيمية للتغيير. وقد عرّفها الباحث برايان واينر بأنها اجتماع التزام أعضاء المؤسسة بالتغيير، وثقتهم المشتركة بقدرتهم على تنفيذه. وهذه القدرة لا تُستنتج من وجود الموظفين أو الأنظمة، بل تُختبر من خلال فهم متطلبات المهمة، وتوافر الموارد والوقت، وملاءمة الظروف، وقدرة الوحدات المختلفة على العمل معاً. لذلك قد تمتلك المؤسسة قدرة، لكنها لا تملك جاهزية مثبتة.
ويبدأ إثبات الجاهزية بأن تعرف المؤسسة لماذا تتغير، ثم تجعل هذا الفهم مشتركاً. فأسباب التغيير ليست فقرة إنشائية في مقدمة الخطة، بل المادة الأولى في تسويقها الداخلي: ما المشكلة، وما الأدلة عليها، ولماذا يلزم التغيير الآن، وما كلفة بقاء الوضع الحالي، وما المنفعة المتوقعة، وما الذي سيتغير في أدوار العاملين، وما الذي سيبقى ثابتا؟
فالتسويق الداخلي ليس تلميعاً لقرار مكتمل، ولا طلباً لتصفيق الموظفين؛ إنه جهد مخطط يشرح منطق التغيير، ويوحّد الفهم حوله، ويكشف الاعتراض المهني قبل أن يتحول إلى خطأ تشغيلي. وقد ربط رفيق وأحمد التسويق الداخلي بإدارة التغيير وتنفيذ الستراتيجية من خلال مواءمة العاملين وتحفيزهم والتنسيق بين الوحدات. إنه لا يبيع القرار للعاملين؛ بل يختبر قابلية المؤسسة لشرائه قبل أن تدفع ثمن تنفيذه.
ولا تعني مشاركة المنفذين نقل سلطة القرار إليهم، لكنها تمنح صاحب القرار معرفة لا تصل إلى مكتبه تلقائياً. فالقريب من الإجراء يرى التفصيل الذي يغيب عن واضع الخطة، ويعرف إن كان الوقت والعدد والتسلسل واقعياً. ثم تبدأ هندسة الانتقال: تحديد آخر يوم للطريقة القديمة، وأول يوم مستقر للطريقة الجديدة، وما سيحدث بينهما؛ توزيع المسؤوليات، واعتماد الاستثناءات، وتجهيز الإجراءات والصلاحيات والبيانات والدعم، ووضع بديل موقت ونقطة توقف تسمح بالتأجيل أو الرجوع قبل اتساع الضرر. والتدريب هنا ليس محاضرة تعريفية، بل إثبات قدرة؛ فلا يُقاس بعدد من حضروا، إنما بعدد من استطاعوا أداء المهمة الجديدة في ظروف تشبه الواقع. وكذلك التجريب ليس احتفالاً مصغراً بالخطة، بل فرصة مشروعة لاكتشاف ما يستوجب تعديلها.
ومن اللافت أن دليلاً حديثاً للتنفيذ في المؤسسات التعليمية، بُني على مراجعة واسعة للأدلة، لم يعامل التطبيق لحظة إعلان، بل عملية تمر بالاستكشاف والإعداد والتنفيذ والاستدامة، مع إشراك الأطراف، وفحص الملاءمة والجدوى، ومراقبة النتائج والتكيف معها. ودلالة هذا المرجع تتجاوز مجاله: من يعمل بالمعرفة لا يُقاد إلى تغيير معقد بمجرد وصول التعميم.
لذلك ينبغي أن يكون الإعلان نتيجة للجاهزية، لا وسيلة لصناعتها. ويحتاج "قرار الجاهزية" قبل الإطلاق إلى مؤشرات تثبت فهم أسباب التغيير، واجتياز التدريب، واكتمال الإجراءات والبيانات والدعم، ونجاح التجربة المحدودة، ومعالجة المخاطر الحرجة.
أما بعد البدء فتُقاس جودة التنفيذ بالقبول، والتبنّي، والملاءمة، والجدوى، ودقة التطبيق، والكلفة، والانتشار، والاستدامة؛ وهي النتائج التي ميّزها إطار"Proctor" وزملائه. ثم يأتي المؤشر الأعلى: هل حققت الخطة غايتها مقارنة بخط الأساس؟ فقد يكون التنفيذ منضبطاً، وتبقى الخطة فاشلة.
ولهذا المعنى أصل رفيع في قصة يوسف (عليه السلام)؛ فلم يقف عند تفسير سنوات الرخاء والشدة، بل حوّل المعرفة بالمستقبل إلى برنامج عمل: "تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ". وبيّن الإمام القرطبي أن إبقاء الحب في سنبله كان "لئلا يتسوس، وليكون أبقى"، وأن المأخوذ منه يكون "بقدر الحاجة"، ثم عدّ الآية أصلاً في مراعاة المصالح الشرعية. فاشتملت الخطة على الزمن والعمل والحفظ والاستهلاك والانتقال بين مرحلتين، قبل أن تقع الحاجة.
إن المؤسسة لا تحتاج بعد اعتماد الخطة إلى شجاعة الإعلان عنها بقدر حاجتها إلى أمانة اختبارها.
فالخطة لا تبدأ حين تُنشر، ولا تنجح لأن الجميع امتثل لها تحت ضغط الوقت؛ إنما تبدأ حين يعرف المنفذون أسبابها، ويفهمون أدوارهم، ويثبت الاختبار قدرتهم، وتعلن المؤشرات أن المؤسسة جاهزة. وبين قرار اعتماد الخطة وقرار تنفيذها يبقى السؤال الذي يصنع القرار الثاني: هل أصبحت المؤسسة أهلًا لما قررت؟
كاتب كويتي