شهدت الأيام الأخيرة تحولاً مفصلياً في مسار الصراع الروسي - الأوكراني عقب هجوم واسع النطاق شنته كييف باستخدام نحو 1600 طائرة مسيّرة، وصاروخ بالستي، استهدفت مدنا روسية عدة، وكان لموسكو النصيب الأكبر منها، يمثل هذا الهجوم نقطة تصعيد غير مسبوقة تضع الأزمة أمام مرحلة جديدة كلياً من المواجهة المباشرة، والتداعيات الجيوسياسية.
يرى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن هذا الهجوم يأتي "رد فعل" على إطالة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأمد الحرب، واستنزاف أوكرانيا، بشرياً ومالياً.
غير أن قراءة المشهد بعيداً عن العاطفة تشير إلى أن التخطيط لهذا الهجوم تم برعاية ودعم أوروبيين واضحين بهدف إحداث ضغط، ميداني وسياسي، يُجبر الكرملين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات لإيقاف الحرب، وفق شروط الغرب.
خلافاً للنتائج التي توخاها التخطيط الغربي والأوكراني تحول الهجوم إلى أفضل دعاية عملية لمنظومات الدفاع الجوي الروسية، ونجاح موسكو في التصدي لـ 1600 هدف جوي بين مسيّرات وصواريخ بالستية خلال 24 ساعة يُعدّ سابقة في التاريخ العسكري، إذ لم تنجح أي دولة في العالم سابقاً في التعامل مع هذا الحجم الهائل من هجمات الإغراق الجوي، والتصدي لها، في وقت واحد، مما يرسخ تفوق المنظومة الدفاعية الروسية في حماية عمقها الستراتيجي.
بالنظر إلى موازين القوى من منظور التحليل الستراتيجي تمتلك موسكو القدرة العسكرية الشاملة، والورقة النووية، لإعادة حسم الصراع لصالحها، إلا أن الاعتماد على النفس الطويل يعكس رغبة ستراتيجية روسية في استدراج الدول الأوروبية، بشكل أعمق إلى قلب الصراع، ويُتيح هذا الاستدراج لبوتين الذريعة الكافية لإعادة رسم خريطة النفوذ، وإحياء الطموحات التاريخية للاتحاد السوفياتي السابق، وتوسيع نفوذه في الإقليم.
وفق تصريحات المسؤولين في روسيا، وتقديرات الخبراء، فإن هذا الهجوم الذي طال المنشآت النفطية، والمناطق المدنية، لن يمر دون رد حاسم، وفي هذا السياق تشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة وبريطانيا، وعدداً من الدول الأوروبية، تعيش حالة من الاستنفار والتأهب تحسباً لهجوم روسي وشيك وكبير، رداً على الدعم الغربي المكثف لكييف.
أثبت هجوم كييف الأخير أن محاولات حصر روسيا في الزاوية عبر التصعيد العسكري، أدت إلى نتائج عكسية، بدءاً من إثبات كفاءة الدفاعات الجوية الروسية، وصولاً إلى فتح الباب أمام سيناريوهات رد قد تتجاوز حدود الجغرافيا الأوكرانية، مما يضع الاستقرار الأوروبي والإقليمي على محك غير مسبوق.
كاتب كويتي