بحثت في تاريخ التطبيع العربي مع إسرائيل عن شيء بسيط: أين كانت الحركات الشعبية التي سبقت القرار، وطالبت به، أين التظاهرات الداعية إلى فتح السفارات، أين النقابات التي ضغطت لإقامة العلاقات، أين الجماعات السياسية التي بنت شعبيتها على شعار التطبيع، أين مطالبات المجتمع المدني التي سعت لتتوج جهودها بعلاقة مع إسرائيل؟
يصعب العثور على نموذج عربي واحد وواضح، جاء فيه التطبيع من الشارع إلى الدولة. المسار، في الغالب، كان معاكساً: من الأعلى إلى الأسفل.
للدول بالطبع حساباتها، وهي ليست دائماً واحدة، ولا معلنة بالكامل. فقد يكون الدافع أمنياً، أو اقتصادياً، أو سعياً إلى تحالف إقليمي، أو تحسيناً للموقع في واشنطن، أو لحسابات أخرى قد لا تكون معلنة، ولا يكون من السهل توصيفها.
وهذه كلها حسابات عرفتها العلاقات الدولية. لكن المشكلة تبدأ عندما نخلط بين الأسباب التي تدفع دولة إلى التطبيع، والأسباب التي قد تدفع المجتمع إلى قبوله. فالأولى قد تكون كثيرة جداً، أما الثانية فلا يمكن صناعتها بمجرد توقيع اتفاق.
مصر وقّعت عام 1979، والأردن عام 1994. وبعد عقود، يبدو توقيع المعاهدة أسهل بكثير من صناعة القبول الشعبي بها.
والمفارقة أن ملك الأردن عبدالله الثاني، وبعد 32 عاماً من معاهدة السلام، وقف هذا الأسبوع أمام الأمم المتحدة ليصف سياسات الحكومة الإسرائيلية بعبارات بالغة القسوة، ويحذر من أن نزعتها التوسعية أصبحت "تهديداً إقليمياً"، مع تأكيده، في الوقت نفسه، تمسك بلاده بالسلام العادل.
وهنا الدرس...
يمكن لأي دولة أن تغيّر سياستها، وتفتح سفارة، وتسيّر الرحلات، وتوقّع الاتفاقيات. فالسياسة الخارجية تصنعها الدول، لكن القرار السياسي لا يملك المفتاح لعقول الناس، ولا القدرة على تغيير القناعات.
وكلما اتسعت المسافة بين الحسابات السياسية للدولة ومستوى القبول المجتمعي، أصبح تحويل الاتفاق الرسمي إلى علاقة طبيعية ومستقرة أكثر تعقيداً.
لذلك ليست المسألة: من سيطبّع بعد ذلك، ومتى، فالسؤال الأهم: هل تستطيع الحكومات أن تصنع قبولاً شعبياً لسلام لم تطلبه مجتمعاتها، وربما لا تزال قطاعات واسعة منها ترفضه؟
التاريخ حتى الآن يقدم مفارقة يصعب تجاهلها: تستطيع الدول توقيع الاتفاقيات في لحظة، أما قبول الشعوب فلا تصنعه التواقيع.