عبد العزيز الدغيشم متحدثا لـ"السياسة"
كشف لـ"السياسة" أن تملّك الوافدين للعقارات بحاجة إلى حلول متكاملة أكثر مرونة
إنشاء مدينة عمالية متكاملة بخدمات مناسبة أهم الحلول لضبط الإيجارات في السوق
أكد الخبير العقاري عبدالعزيز الدغيشم أن السوق العقاري الكويتي يمر خلال الفترة الحالية بمرحلة من الهدوء النسبي، خصوصاً في قطاع السكن الخاص، معتبراً أن هذا الهدوء يأتي بعد موجة ارتفاعات قوية شهدها السوق خلال السنوات الماضية، وأن حركة التداول الحالية تعكس إعادة ترتيب للمراكز والقرارات الاستثمارية أكثر مما تعكس حالة ركود كامل.
وقال الدغيشم لـ"السياسة" إن الورثة هم الاكثر مبيعا في السوق بسبب التخارج من عقاراتهم، موضحاً أن شريحة من التجار والمضاربين العقاريين ابتعدت عن السكن الخاص بعد تشدد الإجراءات المتعلقة بالأراضي الفضاء وضرورة تطويرها وعدم إبقائها من دون بناء.
فرصة للشراء
وأضاف: من يشتري اليوم في السكني فهو بالتأكيد من الرابحين، لأن السوق نزل عن مستوياته السابقة وحدث الارتفاع بعد كورونا واستمر عدة سنوات، والحين قاعد ينزل، ولذلك المشتري الذي يدخل وفق دراسة وحسابات دقيقة قد يجد فرصاً أفضل من السابق".
وتتفق حركة السوق المسجلة في 2026 جزئياً مع وصف الدغيشم لحالة إعادة ترتيب السوق؛ فقد بلغت قيمة تداولات السكن الخاص نحو 426.6 مليون دينار في الربع الثاني من العام ذاته، بزيادة 8.2 في المئة عن الربع الأول، فيما ارتفع عدد الصفقات إلى 1106 صفقات، بزيادة 23.3 في المئة،
بينما انخفض متوسط قيمة الصفقة إلى نحو 385.7 ألف دينار، وهو ما يعكس زيادة في النشاط مع تراجع متوسط أحجام الصفقات.
الاراضي الفضاء
وحول قانون الأراضي المحتكرة أو الفضاء، قال الدغيشم إن الإجراءات المرتبطة بالأراضي غير المطورة تركت أثراً على قرارات المستثمرين، وساهمت في الضغط على أسعار بعض الأراضي، وإن كان بصورة محدودة، لافتاً إلى أن طبيعة السوق العقاري تجعله شديد الحساسية تجاه القرارات التنظيمية.
وقال: "رأس المال جبان، وإذا المستثمر حس إن عليه التزامات أو إن السوق غير واضح، يتريث قبل الدخول".
وأشار إلى أن السوق السكني يختلف جذرياً عن الاستثمار العقاري، رافضاً ما يراه من خلط بين طبيعة القطاعين، وقال إن العقار السكني لا يمكن التعامل معه بمنطق العقار الاستثماري، خصوصاً أن تمويل شراء وبناء السكن الخاص له اعتبارات مختلفة، كما أن العائد على المنزل الخاص لا يقاس بالعائد الإيجاري للعقار الاستثماري، موضحا أن بيانات 2026 تؤكد استمرار أهمية السكن الخاص في السوق؛ فقد استحوذ على 47 في المئة من إجمالي التداولات العقارية خلال الربع الثاني، مقابل 31.6 في المئة للعقار الاستثماري، فيما بلغت القيمة الإجمالية للتداولات العقارية خلال الربع نفسه 907.5 ملايين دينار.
توسعات غير منضبطة
وانتقد "الدغيشم" ما يصفه بالتوسع غير المنضبط في تحويل بعض البيوت الخاصة إلى نشاط تأجيري كثيف، موضحاً أن السماح ببناء شقتين في بعض الحالات جاء لمعالجة احتياجات أسرية وسكنية، وليس لتحويل السكن الخاص إلى عقار استثماري كامل.
وقال: "الحكومة سمحت ببناء شقتين للمساعدة في أزمة السكن، ولم تسمح ببناء عمارة كاملة بسرداب وأول وثاني"، معتبراً أن التوسع في التأجير التجاري داخل المناطق السكنية يمكن أن يؤثر في خصوصية هذه المناطق وطبيعة استخدامها.
وأكد أن معالجة أزمة السكن تحتاج إلى حلول متكاملة، لا إلى تحميل قطاع واحد أعباء الطلب المتزايد، داعياً إلى الفصل بوضوح بين السكن الخاص والسكن الاستثماري.
الايجارات وسكن العزاب
انتقل الدغيشم إلى ملف الإيجارات، معتبراً أن الضغط على العقار الاستثماري لا يرتبط فقط بحركة المستثمرين، وإنما أيضاً بالطلب المتزايد على الوحدات السكنية، خصوصاً بعد التغييرات التي شهدتها بعض مناطق سكن العمالة.
وقال إن إخراج العزاب والشركات من بعض المناطق من دون توفير بدائل سكنية كافية ساهم في انتقال الطلب إلى مناطق مثل الفروانية والمهبولة وغيرها، الأمر الذي انعكس على مستويات الإيجارات.
وأضاف: "الحل في رأيي هو إنشاء مدينة عمالية متكاملة بإيجارات مخفضة، تكون فيها الخدمات الأساسية متوافرة، وبذلك نخفف الضغط عن المناطق الاستثمارية والسكنية ونضبط سوق الإيجارات".
تضاعف بناء العقارات
وفي ملف البناء، رأى الدغيشم أن ارتفاع تكلفة الأراضي والمواد والأيدي العاملة جعل دخول المواطن إلى سوق البناء أكثر صعوبة، مشيراً إلى أن تكلفة بناء المنزل التي كانت في حدود 150 ألف دينار في فترات سابقة أصبحت، بحسب مساحة المشروع ومواصفاته، تدور في نطاق 250 إلى 300 ألف دينار في بعض الحالات.
وعزا ذلك إلى ارتفاع أسعار مواد البناء وتكاليف العمالة والتداعيات التي خلفتها الأزمات الإقليمية والدولية على سلاسل الإمداد، مؤكداً أن تكلفة البناء أصبحت عنصراً رئيسياً في تحديد قدرة المواطن على تملك السكن.
وتطرق الدغيشم إلى ملف العمالة الوافدة والخبرات المهنية، منتقداً ما يراه من آثار للسياسات التي حدت من استمرار بعض أصحاب الخبرات بعد بلوغ سن الستين، معتبراً أن خروج الخبرات لا ينعكس على سوق العمل فقط، وإنما يمتد تأثيره إلى قطاعات أخرى من بينها العقار والبناء والخدمات.
وقال إن الكويت تحتاج إلى الاستفادة من أصحاب الخبرات الذين أثبتوا كفاءة مهنية، خصوصاً في المهن التي يصعب تعويضها بسرعة، داعياً إلى سياسات مرنة تفرق بين العمالة غير الماهرة وأصحاب الخبرات والتخصصات المطلوبة.
تملك الوافدين
وفي شأن تملك الوافدين، أيد الدغيشم منح الوافد المؤهل لذلك مساحة أكبر للتملك العقاري وفق ضوابط واضحة، معتبراً أن بعض المقيمين أمضوا عقوداً طويلة في الكويت، ودفعوا مبالغ كبيرة في الإيجارات من دون أن يكون لهم أصل عقاري.
وضرب مثالاً بوافد يدفع 350 ديناراً شهرياً لمدة 43 عاماً، قائلاً إن إجمالي ما دفعه نظرياً يصل إلى نحو 180 ألف دينار، متسائلاً: لماذا لا يتحول جزء من هذه الأموال إلى تملك منظم إذا سمحت التشريعات بذلك؟
وقال إن السماح بالتملك وفق ضوابط مدروسة يمكن أن يخلق دورة اقتصادية يستفيد منها المواطن والقطاع المصرفي والسوق العقاري، مستشهداً بتجارب إقليمية، وفي مقدمتها دبي، التي اعتمدت أنظمة محددة لتملك غير المواطنين في مناطق معينة.
وأكد الدغيشم أن السوق العقاري الكويتي لا يحتاج إلى قرارات منفردة بقدر حاجته إلى رؤية متكاملة تربط بين الإسكان والأراضي والبناء والعمالة والإيجارات، بحيث يتحرك كل قطاع في إطار واضح يضمن استقرار السوق ويحافظ في الوقت نفسه على حق المواطن في السكن الملائم.