وقفة
لم تكن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في هذه الدورة، مناسبة عادية لتبادل الخطب الديبلوماسية؛ فقد حضرت إليها أزمات المنطقة بأسئلة تمس العالم كله: أمن الملاحة في مضيق هرمز، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، ومصير الدول التي تحولت أراضيها إلى ساحات صراع. وفي قلب هذه الأسئلة يقف النظام الإيراني أمام امتحان لا يكفي لاجتيازه تغيير لغة الخطاب، بل يتطلب تغيير السلوك.
ويظل مضيق هرمز، المثال الأوضح، على خطورة ربط أمن العالم بموازين المواجهة السياسية. فعندما تتعطل الملاحة أو تصبح مهددة، تمتد التداعيات إلى كلفة النقل والتأمين، وأسعار الطاقة والغذاء، وصولاً إلى دول بعيدة عن أسباب النزاع. ومن حق إيران أن تدافع عن أمنها ومصالحها، لكن لا يجوز أن يتحول ممر حيوي للاقتصاد العالمي إلى ورقة مساومة تتحمل الشعوب كلفتها.
ولا يمكن اختزال أزمة المضيق في طرف واحد؛ فالعمليات العسكرية والضغوط المتبادلة تزيد احتمالات التصعيد. غير أن ذلك لا يعفي طهران من مسؤوليتها عن ضمان حرية الملاحة، ولا يعفي الأطراف الأخرى من واجب فتح مسار جاد لخفض التوتر. والمطلوب ترتيبات مستقرة لعبور السفن بأمان، بعيداً عن تقلبات التفاوض والمواجهة.
وفي الملف النووي، تملك إيران حق الاستخدام السلمي للطاقة النووية وفق التزاماتها الدولية، لكن هذا الحق يقترن بالشفافية والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وتقول الوكالة إنها لا تملك المعلومات، وإمكان الوصول، اللازمين، للتحقق من الوضع الحالي لمخزون اليورانيوم المخصّب، وبعض الأنشطة والمنشآت. وهذه فجوة لا تغلقها الفتاوى، ولا التأكيدات السياسية، بل التفتيش الفعّال وتقديم البيانات اللازمة. وفي المقابل، لا يبرر القلق من هذا الغموض إطلاق ادعاءات لا تسندها الأدلة.
ومن منصة الأمم المتحدة، تحدث رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام عن استعادة الدولة قرارها الوطني، وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بمؤسساتها، ورفض تحويل لبنان إلى ورقة تفاوض في أيدي الآخرين. كما طالب بوقف الحرب، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وأعلن تضامن بلاده مع دول الخليج في مواجهة الاعتداءات الإيرانية. وهي مواقف تؤكد أن السيادة لا تتجزأ، وأن مستقبل لبنان، كما حال الدول الأخرى في المنطقة، يقرره اللبنانيون عبر دولتهم.
لقد غيّر سقوط نظام بشار الأسد موازين النفوذ في سورية، وأضرت الحروب بقوى ارتبطت بطهران. لكن تراجع بعض أدوات النفوذ لا يعني زوالها، ولا يلغي قدرة إيران على التأثير. والسؤال هو: هل ترى قيادتها في هذه التحولات فرصة لمراجعة سياسة التدخل والمواجهة، أم تتمسك بها رغم كلفتها على الشعب الإيراني وجيرانه؟
وخلال اجتماعات نيويورك، ظهرت من طهران إشارات إلى الاستعداد للديبلوماسية، مقرونة بشروط تتعلق بالضغط العسكري والحصار. ويمكن أن تشكل هذه الإشارات نافذة للتسوية، لكن قيمتها تقاس بأفعال قابلة للتحقق: ملاحة آمنة ومستدامة، وتعاون كامل مع الوكالة الذرية، واحترام سيادة الدول. أما الوعود وحدها فلن تعيد الثقة المستنزفة.
تواجه إيران ضغوطاً جسيمة، لكن التنبؤ باستسلام نظامها، أو انهياره السريع، لا يصلح أساساً للسياسة. فقد تدفعه الضغوط إلى تفاوض جاد، وقد تدفعه إلى مزيد من التشدد. وعلى دول الخليج، في الحالتين، أن تتمسك بأمنها ووحدة موقفها، وأن تدعم تسوية تحمي المنطقة بنتائج ملموسة.
الرسالة إلى طهران واضحة: لا أحد يريد حرباً أخرى، لكن أمن الجيران وممرات التجارة، وقرارات الدول لا يجوز أن تكون أدوات في صراعاتها. وإذا أرادت فتح صفحة جديدة، فالأفعال التي يلمسها الجيران ويستطيع العالم التحقق منها هي بدايتها.
وزير العمل والتنمية الاجتماعية البحريني سابقاً