الاثنين 28 سبتمبر 2026
38°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
ميزانية الأمم المتحدة بين رهان الإصلاح وأزمة التمويل
play icon
مراقب المجلس التنفيذي، ورئيس لجنة الموازنات السابق في المحكمة الدولية الدائمة - لاهاي طارق يوسف الشميمري
تقارير

ميزانية الأمم المتحدة بين رهان الإصلاح وأزمة التمويل

Add as Preferred Source on Google
Time
الأحد 27 سبتمبر 2026
طارق يوسف الشميمري
انخفاض بنحو 7.3 في المئة في ميزانيتها يؤثر على فعاليتها؟
المادة 17 من الميثاق تنص على أن النفقات تتحملها الدول الأعضاء
الولايات المتحدة والصين أكبر المساهمين في ميزانية المنظمة الدولية
تأخر المساهمة يؤثر في السيولة المتاحة للمنظمة خلال فترة معينة من 3.72 مليار دولار في 2025 إلى 3.45 مليار في 2026 انخفاضاً بنحو 7.3 في المئة في ميزانية منظمة الأمم المتحدة الدولية
هل انخفاض ميزانية الأمم المتحدة يحد من دورها ومهماتها في المستقبل؟

طارق يوسف الشميمري

تُظهر ميزانية الأمم المتحدة حجم الموارد التي تعتمدها الدول الأعضاء لتمويل أنشطة المنظمة، وبرامجها الأساسية. كما تعكس المناقشات المرتبطة بها اختلافاً في أولويات الدول، بشأن حجم الإنفاق وكفاءة الإدارة والمهمات التي ينبغي أن تضطلع بها المنظمة.

وتتعامل الأمم المتحدة مع ملفات متعددة من بينها حفظ السلام وحقوق الإنسان والتنمية، والمساعدات الإنسانية، والوساطة السياسية، ومع اتساع هذه الملفات تناقش الدول الأعضاء، دورياً، مستوى التمويل المطلوب ومصادره وآليات إنفاقه.

ولا يقتصر النقاش على قيمة الميزانية الإجمالية، بل يشمل أيضاً الجهات التي تمولها، ومواعيد سداد المساهمات والفرق بين الميزانية المعتمدة والسيولة المتاحة فعلياً.

كيف تعمل ميزانية الأمم المتحدة؟

تنص المادة 17 من ميثاق الأمم المتحدة على أن نفقات المنظمة تتحملها الدول الأعضاء وفقاً للأنصبة التي تقررها الجمعية العامة. ولا تحدد الدول قيمة مساهماتها بصورة منفردة، بل تعتمد الجمعية العامة مقياساً لتوزيع الأنصبة المالية بناءً على توصيات لجنة المساهمات.

وتستند المنهجية بصورة أساسية إلى القدرة على الدفع، وفق مقياس الأنصبة للفترة 2025–2027، يبلغ الحد الأدنى لمساهمة الدولة 0.001 في المئة، فيما يبلغ الحد الأقصى للدول الأقل نمواً 0.01 في المئة، ويبلغ الحد الأقصى العام لمساهمة دولة واحدة 22 في المئة.

وتختلف هذه الحدود عن مقياس تمويل عمليات حفظ السلام الذي يطبق تعديلات إضافية على أنصبة الدول.

وبناءً على ذلك، فإن المساهمات المقررة تمثل التزامات مالية على الدول الأعضاء، وليست تبرعات اختيارية بالمعنى المعتاد، وتختلف هذه المساهمات عن التمويل الطوعي، الذي تقدمه الدول لبرامج، أو صناديق أو وكالات محددة.

UNFF108
play icon
الجمعية العامة خلال انعقاد دورتها الحالية

من يقرر الميزانية؟

تبدأ العملية بإعداد الأمين العام مشروع الميزانية، ثم يخضع المشروع للمراجعة داخل اللجنة المختصة بالشؤون الإدارية والمالية، وبعد المفاوضات والمراجعات، ترفع اللجنة توصياتها إلى الجمعية العامة التي تتولى الاعتماد النهائي للميزانية.

ومنذ عام 2020 انتقلت الأمم المتحدة بصورة تجريبية من دورة الميزانية كل سنتين إلى دورة سنوية، وفي ديسمبر 2022 قررت الجمعية العامة الإبقاء على نظام الميزانية السنوية بصورة دائمة، ويتيح النظام السنوي للدول الأعضاء مراجعة الموارد والأولويات بصورة متكررة، لكنه يزيد أيضاً من ارتباط الميزانية بالمفاوضات السياسية والظروف الاقتصادية لكل عام.

تطور الميزانية بالأرقام

اعتمدت الجمعية العامة ميزانية 2022 بقيمة تقارب 3.12 مليار دولار، أما ميزانية 2023، فكانت بنحو 3.4 مليار دولار بعد المفاوضات والتعديلات، وبلغت الميزانية لعام 2024 نحو 3.59 مليار دولار، ثم ارتفعت في عام 2025 إلى 3.72 مليار دولار، أما في عام 2026 فاعتمدت الجمعية العامة ميزانية قدرها 3.45 مليار دولار، وتقل ميزانية 2026 عن ميزانية 2025 بنحو 270 مليون دولار وتبلغ نسبة الانخفاض 7.3 في المئة تقريباً.

وفي المقابل يزيد الاعتماد النهائي لميزانية 2026 على الاعتماد النهائي لميزانية 2022 بنحو 330 مليون دولار بالقيمة أي بنحو 10.6 في المئة تقريباً.

ما هي مبادرة "UN80"

أطلقت الأمم المتحدة مبادرة" UN80" في عام 2025 بهدف مراجعة طريقة عمل المنظمة بمناسبة مرور 80 عاماً على تأسيس، وتقوم المبادرة على ثلاثة مسارات رئيسية:

الأول: إصلاحات لتحسين الكفاءة، وخفض تكاليف التشغيل.

الثاني: مراجعة مهمات المنظمة، بما في ذلك تحديد المجالات التي توجد فيها ازدواجية أو تداخل.

الثالث: دراسة كيفية إعادة هيكلة منظومة الأمم المتحدة، لتكون أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة.

ومن الناحية المهنية يمكن فهم خفض ميزانية 2026 باعتباره مرتبطاً ببرنامج إصلاح إداري، لا بمجرد انخفاض تلقائي في التمويل، ويمكن تحديد ما إذا كانت الإصلاحات ستؤدي إلى كفاءة أعلى يتطلب تقييم نتائجها بعد التنفيذ.

الميزانية المعتمدة والسيولة المتاحة

تختلف الميزانية العادية التي تعتمدها الجمعية العامة عن الأموال النقدية المتاحة للمنظمة في كل وقت، فإذا تأخرت الدول في سداد مساهماتها قد تواجه الأمم المتحدة صعوبة في تمويل بعض الأنشطة، وفق الجدول المخطط، حتى لو كان الاعتماد النهائي قد أُقر رسمياً.

وفي 2025 أشارت تقارير إلى أن المنظمة واجهت نقصاً في التدفقات النقدية، واتخذت إجراءات شملت خفض الإنفاق وتأجيل بعض عمليات التوظيف.

الولايات المتحدة والصين... أكبر المساهمين

تُعد الولايات المتحدة أكبر مساهم في الميزانية العادية، بحصة تبلغ 22 في المئة، وهي الحد الأقصى المقرر لدولة واحدة في مقياس الأنصبة للفترة 2025–2027.

وتبلغ حصة الصين 20.004 في المئة في المقياس نفسه، وبذلك تمثل الدولتان معاً 42.004 في المئة من الميزانية العادية تقريباً أي أكثر من 40 في المئة.

وتأتي بعدهما اليابان، ثم ألمانيا، ثم المملكة المتحدة، ثم فرنسا وفق مقياس الأنصبة للفترة 2025–2027.

وتعني هذه النسب أن أي تغيير في موقف إحدى الدول الكبرى بشأن حجم الميزانية، أو توقيت السداد يمكن أن يؤثر في المفاوضات، وفي السيولة المتاحة.

مواقف الدول من خفض الميزانية

تدعو الولايات المتحدة بوصفها أكبر مساهم إلى تحسين الكفاءة ومراجعة الإنفاق كما شهدت سياسة الولات المتحدة تجاه بعض الهيئات والبرامج الدولية، مواقف متباينة بين الإدارات الأميركية، وفي المقابل أعادت مواقف اخرى لاحقة بشأن تقليص المشاركة في بعض المؤسسات والهيئات الدولية النقاش حول مستقبل التمويل الأميركي للمنظمة إلى الواجهة.

أما الصين فتبلغ حصتها الرسمية في مقياس 2025–2027 نسبة 20.004 في المئة، ما يجعلها ثاني أكبر مساهم ويشمل النقاش المتعلق بها حجم المساهمة، وتوقيت السداد، لأن تأخر مساهمة كبيرة قد يؤثر في السيولة المتاحة للمنظمة خلال فترة معينة.

وتأتي اليابان وألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا ضمن كبار المساهمين. وتدعم هذه الدول، بدرجات مختلفة، تحسين الكفاءة، والرقابة المالية، وتقليل الازدواجية، لكنها تؤكد عادةً أن خفض الموارد ينبغي ألا يؤدي إلى تعطيل المهمات التي أقرتها الدول الأعضاء.

فهناك دول تؤيد خفض النفقات الإدارية، أو إزالة الازدواجية، لكنها تعارض تقليص البرامج الميدانية، بينما قد تؤيد دول أخرى زيادة التمويل في مجالات محددة مع خفض الإنفاق في مجالات أخرى.

لذلك تتركز الخلافات عادةً في حجم التخفيض، وتوقيت البرامج، وما هي الوظائف التي يمكن تقليصها، وما هو مستوى الرقابة المطلوب، وما هو أثر التخفيضات في الدول النامية والبعثات الميدانية.

من قد يستفيد ومن قد يتضرر؟

قد تستفيد الدول التي تتحمل النسب الأكبر في المساهمات، إذا أدى خفض الاعتماد النهائي للميزانية، إلى خفض التزاماتها المالية المستقبلية. وقد تستفيد المنظمة نفسها، إذا أدت المراجعة إلى إزالة الازدواجية، وتحسين الإدارة، وتوجيه الموارد إلى البرامج الأكثر أولوية.

وقد تتأثر الدول النامية والدول التي تستضيف بعثات الأمم المتحدة، إذا أدى نقص الموارد إلى تقليص البرامج، أو الخدمات، ومن المجالات التي قد تتأثر، بسبب التخفيضات هم المدنيون في مناطق النزاعات، وكذلك اللاجئون والنازحون، وأيضا برامج حقوق الإنسان، وبرامج التنمية. وتتأثرالدول الأقل نمواً، وكذلك تتأثر عمليات الوساطة، ومنع النزاعات، وبرامج المساعدات الإنسانية، وأيضا بعثات حفظ السلام.

حفظ السلام ميزانية منفصلة

لا يمثل الاعتماد النهائي للميزانية العادية البالغ 3.45 مليار دولار كل إنفاق الأمم المتحدة.

فميزانية عمليات حفظ السلام منفصلة عن الميزانية العادية، وقد بلغت ميزانيتها للفترة المالية 2024–2025 نحو 5.6 مليار دولار.

وتحتاج بعثات حفظ السلام إلى تمويل مستمر للقوات والمعدات، والنقل والأمن والعمليات اللوجستية، ولذلك يمكن أن يؤثر تأخر المساهمات في قدرتها على تنفيذ بعض المهمات، حتى عندما تكون ميزانية حفظ السلام معتمدة رسمياً.

ويجب عند تحليل الوضع المالي للأمم المتحدة الفصل بين الميزانية العادية للأمم المتحدة وميزانية حفظ السلام، وهناك ميزانية التمويل الطوعي للبرامج والصناديق والوكالات، وهناك مساهمات عينية لتمويل لمشروعات الأمميّة.

بعض الدول تواجه صعوبة في المساهمة

تتداخل عوامل عدة في قدرة بعض الدول في السداد من بينها، التضخم وارتفاع أسعار الفائدة، والحروب، وأزمات أخرى إلى زيادة الإنفاق العسكري والأمني، لدى بعض الحكومات، والضغوط الاقتصادية الداخلية في عوامل تفسر جزءاً من الضغوط على التمويل، لكنها لا تثبت وحدها سبب تأخر كل دولة عن السداد، إذ تختلف الظروف المالية والسياسية من دولة إلى أخرى.

ولا يمكن تقييم الخفض من خلال الرقم الإجمالي وحده، بل من خلال البرامج التي ستتأثر، وحجم الوظائف التي ستُلغى أو يعاد توزيعها، كما ينبغي عند قراءة الأرقام التمييز دائماً بين مشروع الميزانية والصرف النهائي، ويبقى التحدي أمام الدول الأعضاء هو تحقيق توازن بين ضبط الإنفاق، والحفاظ على المهمات الأساسية، وضمان قدرة الأمم المتحدة على تنفيذها.

آخر الأخبار