قبل ثلاثة أعوام، وخلال زيارة أختي للبحرين، كنا نمشي في سوق المنامة، التي تحرص في كل زيارة لها إلى البحرين على زيارته لتوثيق تلك اللحظات التي تقضيها بين أزقة السوق ومحاله، ثم تمضي إلى المحرق، حيث يأخذها الحنين إلى أماكن تعرفها جيداً، وإلى تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها بالنسبة إليها جزء من ذاكرة لا تغيب.
كان ابنها يومها في العاشرة من عمره، يمشي إلى جانبي، يتأمل ما حوله ويسأل عن الأشياء التي تلفت انتباهه. وبينما كنا نتجول، توقف فجأة وسألني: كم تبلغ قيمة حبة اللؤلؤ الواحدة؟
ثم أتبع سؤاله بآخر: وكم تصبح قيمة عقد اللؤلؤ؟
وقبل أن أجيبه، قال بكل جدية طفل بدأ يفكر في مستقبله: أريد أن أصبح ثرياً جداً، وأرغب في تجارة اللؤلؤ.
ابتسمت لطموحه، لكنني توقفت عند كلمة "اللؤلؤ".
فأجدادي من جهة والدتي كانوا تجار لؤلؤ، وكانت تجارتهم تمتد بين البحرين والكويت، وموانئ الخليج، ووصلت إلى الهند. كان اللؤلؤ في حياتهم عملاً ورزقاً ومغامرة، وكانت وراء كل حبة حكاية بحر وغواص وسفينة، وانتظار طويل لما قد يعود به البحر.
هذا السوق الذي نزوره اليوم لنشتري، أو نتفرج، أو نلتقط صورة، كان في زمن أجدادنا جزءاً من حركة، اقتصادية واجتماعية، كبيرة. كان التجار يأتون ويذهبون، والبضائع تدخل وتخرج، والبحر يحمل الناس من ميناء إلى آخر.
وفي سوق كهذا، يصبح للؤلؤ ذاكرة.
وربما لهذا السبب بقيت جملة ابن أختي معي حتى اليوم.
هو لم يكن يتحدث عن تاريخ عائلته، ولم يكن يعرف أنه يلمس مهنة عرفها أجداده من جهة والدته. كان فقط طفلاً في العاشرة، يريد أن يصبح ثرياً، ويرى في اللؤلؤ تجارة تستحق أن يحلم بها.
اليوم، بعد ثلاثة أعوام، أتذكر تلك اللحظة وأفكر في شيء بسيط: كيف يمكن لفكرة صغيرة أن تفتح في داخلنا أبواباً كبيرة.
هو سألني عن سعر حبة اللؤلؤ.
وأنا، بعد أن انتهى حديثنا، بدأت أسأل نفسي عن أجدادي.
عن الرجال الذين سبقونا، وعن تجارتهم التي عبرت البحرين والكويت والخليج والهند، وعن عالم كامل كان اللؤلؤ فيه جزءاً من الحياة اليومية.
ربما لن يصبح ابن أختي تاجر لؤلؤ. وربما سيكبر وتتغير أحلامه.
لكنني أحب أن أحتفظ بهذه الحكاية كما حدثت؛ ابن أختي الكويتي ذو العشرة أعوام، يتحدث عن الثروة وتجارة اللؤلؤ، وفي ذاكرتي حكاية أجداد عاشوا من هذه التجارة قبل سنوات طويلة.
واليوم، وقد اقترب من الثالثة عشرة من عمره، أتساءل: تُرى، هل ما زال حلمه بتجارة اللؤلؤ قائماً، أم أن أحلام الطفولة تغيّرت، وبقيت حكاية اللؤلؤ وحدها في ذاكرتي؟
كاتبة بحرينية