الخميس 01 أكتوبر 2026
33°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
العراق أمام المحنة الكبرى وإيران تحت الضغط
play icon
كل الآراء

العراق أمام المحنة الكبرى وإيران تحت الضغط

Add as Preferred Source on Google
Time
الخميس 01 أكتوبر 2026
د.عائد الهلالي

لم تعد الأزمة العراقية مجرد خلاف سياسي عابر، ولا صراعاً على منصب أو حقيبة وزارية، بل بات العراق يقف عند تقاطع ثلاثة مسارات شديدة الخطورة: ضغط متصاعد على إيران، وتحولات إقليمية مفتوحة على احتمالات عدة، ونظام سياسي عراقي يجد نفسه مطالباً بإعادة تعريف موقعه، وحدود قراره الوطني.

العراق، بحكم الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح، لا يستطيع أن يتعامل مع ما يجري حوله وكأنه يحدث في مكان آخر. لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يسمح بأن تتحول أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية. وهذه هي المعضلة الكبرى: كيف يحافظ العراق على علاقاته ومصالحه، من دون أن يدفع ثمن صراعات الآخرين؟

إيران نفسها تواجه ضغوطاً، سياسية وأمنية واقتصادية، متزايدة، فيما تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة يعاد فيها رسم التوازنات. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح العراق أكثر عرضة للضغط، لأن موقعه يجعله متصلاً بأكثر من محور، ولأن أي تصعيد إقليمي يمكن أن يجد انعكاسه سريعاً في بغداد.

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً يتعلق بالداخل العراقي: هل تستطيع القوى السياسية أن تتفق على أن مصلحة الدولة يجب أن تكون هي نقطة التوازن بين جميع هذه الضغوط؟

هنا تحديداً يدخل الإطار التنسيقي أمام أصعب اختبار له. فهذه القوى تمتلك حضوراً واسعاً في مؤسسات الدولة والبرلمان والحكومة، وبالتالي فإن مسؤوليتها لا تقتصر على إدارة التوازنات السياسية داخل البيت الشيعي، وإنما تمتد إلى حماية استقرار الدولة العراقية، ومنع تحولها إلى طرف في أي مواجهة إقليمية. وتشير تحليلات حديثة إلى أن ملف حصر السلاح وإدارة العلاقة مع الفصائل المسلحة أصبحا من أكثر الملفات حساسية أمام الحكومة والقوى السياسية الداعمة لها.

المشكلة أن التحدي لم يعد نظرياً. فالحكومة تواجه ضغوطاً متزامنة بشأن حصر السلاح، والعلاقة مع واشنطن، وكذلك مع طهران، وإدارة المجال الجوي والاقتصاد، فيما تتطلب المرحلة قرارات دقيقة لا تحتمل كثيراً من المناورة. وقد برز ذلك بوضوح مع الجدل حول الرحلات الجوية الإيرانية، والاتصالات العراقية للحصول على استثناءات، بالتزامن مع اجتماع مرتقب لقوى الإطار لمناقشة الملف.

وفي المقابل، فإن أي محاولة لإدارة الأزمة بمنطق الغلبة السياسية قد تفتح أبواباً أكثر تعقيداً. فالعراق يحتاج إلى تسوية وطنية، لا إلى انتصار طرف على طرف، وإلى دولة تستطيع أن تتحدث مع الجميع من موقع المصالح الوطنية، لا من موقع الاصطفاف الكامل مع أي محور.

وهنا تصبح مسألة الحكومة، ورئيس الوزراء، جزءاً من أزمة أكبر. فاستمرار الجدل حول مستقبل علي الزيدي، بين الحديث عن الضغوط السياسية ونفي الاستقالة، يكشف حجم التوتر داخل المشهد السياسي، لكنه لا ينبغي أن يحجب السؤال الأهم: ماذا يريد العراق أن يكون في المرحلة المقبلة؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ينشغل الجميع بمن سيبقى، ومن سيرحل، بينما تتراجع قضية الدولة نفسها إلى الصف الثاني.

العراق اليوم بحاجة إلى لحظة عقل سياسي حقيقية. لحظة تدرك فيها القوى الحاكمة أن حماية الدولة ليست موقفاً ضد إيران، ولا موقفاً مع أميركا، ولا انحيازاً لمحور عربي أو إقليمي؛ إنها موقف مع العراق أولاً.

أما الإطار التنسيقي، فإن الاختبار الحقيقي أمامه ليس في قدرته على الحفاظ على تماسكه السياسي، بل في قدرته على إنتاج موقف عراقي جامع، يضع مصلحة الدولة فوق حسابات المحاور.

فالمنطقة تتغير، وإيران تحت ضغط كبير، والعالم يعيد ترتيب أوراقه، والعراق يقف في قلب العاصفة.

وفي العواصف الكبرى، لا تنجو الدول بكثرة الشعارات، بل بوضوح القرار، ووحدة مؤسساتها، وقدرتها على أن تقول للجميع: نحن نريد السلام، لكننا نريد قبل كل شيء أن يبقى العراق عراقاً.

كاتب عراقي

آخر الأخبار