الأحد 04 أكتوبر 2026
32°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
عبدالعزيز المسلم: شراكة 'المجلس الوطني'  و'السلام' تعيد 'مسرح الدسمة' بإمكانيات عالمية
play icon
الفنية

عبدالعزيز المسلم: شراكة "المجلس الوطني" و"السلام" تعيد "مسرح الدسمة" بإمكانيات عالمية

Add as Preferred Source on Google
Time
السبت 03 أكتوبر 2026

فالح العنزي

بعد سنوات طويلة من ارتباطه بالحركة الفنية والمسرحية في الكويت، يدخل مسرح الدسمة مرحلة جديدة عنوانها التطوير وإعادة التأهيل وتوسيع دائرة الاستخدام، في إطار مشروع تطوير وتشغيل يمتد لخمس سنوات، تتولاه شركة السلام الأولى للتجارة العامة والمقاولات، ممثلة مجموعة السلام الإعلامية، عقب ترسية المزايدة عليها، ولا تبدو هذه الخطوة مجرد عملية استثمار لمرفق حكومي أو مشروع لإعادة تأهيل مبنى وتهيئته لاستقبال الجمهور، إذ يتصل مسرح الدسمة بذاكرة فنية وثقافية راسخة، جعلت منه واحداً من أبرز الصروح التي احتضنت الحركة المسرحية الكويتية على مدى عقود. ومن هذا المنطلق، يأتي تطويره باعتباره محاولة لإعادة تقديم المسرح إلى الفنانين والمنتجين والجمهور بصورة تواكب مكانته التاريخية، وتوفر في الوقت نفسه بيئة فنية وفنية متخصصة أكثر جاهزية للمستقبل.

ويعكس المشروع توجهاً لدى المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب نحو توسيع مفهوم الشراكة مع القطاع الخاص، بحيث لا تقتصر الاستعانة به على تنفيذ الأعمال الإنشائية أو ترميم المباني، وإنما تمتد إلى الاستفادة من خبرات الجهات المتخصصة في المجال الفني، والقادرة على الجمع بين متطلبات التطوير الهندسي والمعرفة العملية باحتياجات المسارح وطبيعة تشغيلها، وجاءت ترسية المزايدة على شركة السلام الأولى وفق عملية تقييم لم تعتمد على المقابل المالي وحده، وإنما أخذت في الاعتبار مجموعة من العناصر، من بينها السعر المقدم والمواصفات والخدمات والخبرة، بما يعكس توجهاً نحو اختيار الجهة القادرة على تنفيذ مشروع متكامل يجمع بين التطوير والتشغيل والخبرة الفنية.

قيادة "المجلس"

وفي هذا الإطار، يبرز دور الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب د. محمد خالد الجسار، والأمين العام المساعد مساعد الزامل، في دعم توجه الشراكة بين المؤسسة الثقافية والقطاع الخاص، والاستفادة من إمكانات أصحاب الاختصاص في إعادة تأهيل أحد المرافق المهمة في المشهد الثقافي الكويتي، وكان مساعد الزامل، خلال فترة عمله في قطاع الفنون، قد أسهم في إدراج مشروع تطوير واستثمار مسرح الدسمة ضمن المشاريع المطروحة، والعمل على تهيئة الطريق أمام طرحه، في حين تعكس متابعة المجلس الوطني للمشروع وحرصه على دعمه رؤية تقوم على أن نجاح عملية التطوير لا يقاس بمظهر المبنى وحده، وإنما بما يستطيع المسرح تقديمه للفنانين والفرق والجمهور بعد عودته إلى العمل.

مبادرة المسلم

وفي الجانب الآخر من هذه الشراكة، يحضر اسم الفنان القدير البروفيسور د.عبدالعزيز المسلم، رئيس مجلس إدارة مجموعة السلام الإعلامية، باعتباره من أصحاب الخبرة التي تجمع بين المعرفة الفنية والممارسة العملية في مجال المسارح وتأهيلها وتشغيلها. وتكتسب علاقته بمسرح الدسمة خصوصية إضافية، تعود إلى مرحلة مبكرة من تاريخ المسرح بعد تحرير الكويت، ففي أعقاب التحرير، بادر المسلم، بموافقة وزير الإعلام آنذاك الراحل د. بدرجاسم اليعقوب، إلى ترميم مسرح الدسمة على نفقته الخاصة، مستنداً إلى جهود ومساندة مجموعة من المتطوعين من أبناء الكويت الذين صمدوا خلال فترة الغزو العراقي. وجاءت المبادرة في وقت كان المسرح قد تعرض لأضرار طالت أجزاء من المبنى ومحتوياته، فشملت أعمال الترميم إصلاح المرافق الكهربائية والصحية، وإعادة الصبغ، وتنفيذ أعمال التأهيل اللازمة لإعادة المكان إلى جاهزيته، وكانت تلك الخطوة أكبر من مجرد معالجة للأضرار التي أصابت مبنى ثقافياً خلال مرحلة استثنائية؛ إذ سرعان ما عاد مسرح الدسمة إلى أداء دوره في الحياة الفنية الكويتية، ليصبح واحداً من الأماكن التي احتضنت التعبير عن مرحلة التحرير وما رافقها من مشاعر الألم والصمود والأمل بإعادة بناء الوطن.

وفي عام 1991، استقبل المسرح مسرحية "الكويت حرة"، التي عُرفت أيضاً بعنوان "فري كويت"، وكانت من أوائل الأعمال المسرحية الكويتية التي ظهرت بعد التحرير، وحملت في مضمونها رسالة شكر إلى دول العالم التي ساندت الكويت، إلى جانب الدعوة إلى تجاوز آثار المرحلة والبدء في إعادة البناء، ولم تتوقف استضافة المسرح للأعمال المرتبطة بمرحلة الغزو والتحرير عند هذا الحد، إذ شهد كذلك عرض "عاصفة الصحراء"، الذي تناول معاناة الكويتيين خلال فترة الغزو العراقي، قبل أن يحتضن في عام 1992 المسرحية الوطنية "سيف العرب"، التي أصبحت من الأعمال البارزة التي تناولت تلك المرحلة وما ارتبط بها من أحداث ومشاعر وطنية، وهكذا تحول مسرح الدسمة في السنوات الأولى التي أعقبت التحرير إلى مساحة فنية عبر من خلالها الكويتيون عن تجربتهم، واستعادوا عبر خشبته قدرتهم على تقديم أعمال تتناول ما مر به الوطن، في مشهد امتزج فيه الفن بالتعبير عن الذاكرة الوطنية واستعادة الحياة الطبيعية،لكن علاقة الدسمة بالحركة المسرحية الكويتية لم تبدأ مع مرحلة ما بعد التحرير، كما أنها لم تنته عندها، فقد ظل المسرح طوال تاريخه واحداً من المواقع التي ارتبطت بأعمال فنية ومسرحية تركت حضوراً في الذاكرة الكويتية.

أعمال خالدة

من أبرز الأعمال التي ارتبطت بخشبته "باي باي لندن"، و"فرسان المناخ"، و"هالوو بانكوك"، و"حامي الديار"، وهي أعمال أسهمت في تكريس حضور المسرح ضمن المشهد الفني المحلي، وجعلت من الدسمة مكاناً حاضراً في ذاكرة أجيال متعاقبة من الفنانين والجمهور، ولهذا فإن عملية تطوير المسرح في المرحلة الحالية تتجاوز فكرة تجديد قاعة للعروض أو تحسين واجهة مبنى؛ فالمشروع يتعامل مع موقع يحمل جزءاً مهماً من تاريخ الفن الكويتي، ويستهدف إعادة تأهيله بما يحافظ على هويته ودوره، وفي الوقت ذاته يتيح له مواصلة العمل وفق متطلبات المرافق الثقافية الحديثة، وتشمل أعمال التطوير الجارية أجزاء المبنى الداخلية والخارجية، وتمتد إلى غرف الفنانين ومقاعد الجمهور وخشبة المسرح، فضلاً عن تكسية الجدران والأرضيات والتجهيزات الفنية والتقنية المرتبطة بالعروض واستبدال الأسقف الداخلية والخارجية، وتركيب نظام للإطفاء.

إنشاءات تطوعية

كما نفذت الشركة على نفقتها الخاصة مجموعة من الأعمال الإضافية بهدف الوصول بالمبنى إلى مستوى أكثر ملاءمة لطبيعة الدور الذي يستعد لاستعادته منها تجديد كسوات الجدران وإعادة صبغ المبنى، وتركيب السجاد واستخدام خامات مقاومة للحريق، إلى جانب الاهتمام بمرافق الخدمة وتنظيف خزانات المياه ومعالجة ما تراكم داخلها، بما يندرج ضمن أعمال التأهيل التي تستهدف رفع مستوى البيئة الداخلية والخدمات المساندة للمسرح، إلى جانب عناصر ترتبط بالصوتيات وبيئة الاستماع داخل الصالة، من خلال اختيار مواد وأقمشة تتناسب مع طبيعة المسارح وتساعد على تحسين الخصائص الصوتية للمكان، بالتوازي مع تحديث التجهيزات الفنية اللازمة.

وتستهدف مجموعة السلام الإعلامية، بقيادة المسلم، أن يحافظ مسرح الدسمة على قيمته ومكانته التاريخية، مع الارتقاء في الوقت ذاته بمستوى الجودة والسلامة والتجهيزات بما يتناسب مع المعايير المعمول بها في المرافق الثقافية والفنية الحديثة.

ظروف قسرية

ولم تخل فترة تنفيذ المشروع من تحديات فرضتها ظروف التوريد، إذ واجه العمل صعوبات مرتبطة بتوفير بعض المواد والتجهيزات، إلى جانب تأخر عدد من الشحنات، وهو ما شكل تحدياً إضافياً أمام إنجاز أعمال التطوير ضمن فترة زمنية قصيرة.

وفي ظل هذه الظروف، برزت أهمية التنسيق والتعاون بين المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب والشركة القائمة على أعمال التطوير، بهدف تجاوز العقبات المرتبطة بالتوريد واستكمال الأعمال المطلوبة، بما يعكس طبيعة العلاقة التي يفترض أن تقوم عليها الشراكة بين الجهة الحكومية والقطاع الخاص عندما يتعلق الأمر بمرفق ثقافي عام، ولا تقتصر الرؤية الخاصة بمسرح الدسمة على إعادة تشغيله لاستقبال العروض المسرحية فحسب، وإنما تتجه إلى تحويله إلى مرفق ثقافي وفني متعدد الاستخدامات، يمكن أن يستضيف طيفاً واسعاً من الأنشطة والفعاليات على مدار العام.

رؤية

وبهذه الرؤية، يعود مسرح الدسمة إلى الجمهور بوصفه مسرحاً بالدرجة الأولى، لكنه في الوقت ذاته يتحول إلى وجهة متاحة أمام المنتجين والجهات المنظمة للفعاليات المختلفة، بما يتيح للمرفق أن يؤدي دوراً مستمراً في الحياة الثقافية والفنية بدلاً من اقتصار نشاطه على عروض محددة، وتحمل المرحلة الحالية للمسرح دلالة خاصة بالنظر إلى تاريخه؛ فمن جهة، يستعيد المكان الذي أسهم في استضافة أعمال مهمة من ذاكرة المسرح الكويتي، ومن جهة أخرى، يستعد لمرحلة تشغيل جديدة تستند إلى تطوير بنيته وتجهيزاته وتوسيع وظائفه، وبين المبادرة التي أعادت الحياة إلى مسرح الدسمة بعد تحرير الكويت، والمشروع الحالي الذي يستهدف تأهيله لسنوات مقبلة، يبدو أن تاريخ المسرح يمر من مرحلة إلى أخرى، فيما تظل الفكرة الأساسية ثابتة: الحفاظ على مكانته كمساحة مفتوحة للفن، وصون الذاكرة التي يحملها، وإبقاؤه جزءاً حياً من المشهد الثقافي الكويتي.

آخر الأخبار