نعيش زمناً غريباً؛ لم نكن يوماً أكثر معرفة بأخبار بعضنا، ولا أقل معرفة ببعضنا بعضا.
نعرف من سافر، ومن عاد، ومن احتفل، ومن غيّر عمله، ومن جلس في مطعم بعيد، ومن التقط صورة أمام بحر لا نعرف اسمه. تمر أمامنا حياة الآخرين كل يوم حتى نظن أننا قريبون منهم، بينما قد تفصلنا عن أقرب الناس إلينا مسافات لا تُقاس بالكيلومترات.
لقد أصبحنا نعرف أخبار الإنسان أكثر مما نعرف الإنسان نفسه. وهذه ليست مشكلة تقنية بقدر ما هي تحوّل في معنى العلاقة.
فالقرب لم يكن يوماً أن تعرف أين يوجد صديقك، بل أن تعرف متى يحتاج إليك؟ ولم تكن الصداقة أن ترى ابتسامته، بل أن تميّز الحزن الذي يحاول أن يخفيه خلفها. ولم تكن العائلة مجرد اجتماع تحت سقف واحد، بل ذلك الشعور القديم أن هناك من يعرفك حتى حين لا تشرح نفسك.
اليوم، أصبح الوصول إلى الإنسان أسهل من أي وقت مضى، لكن الوصول إليه لا يعني بالضرورة الوصول إلى قلبه.
نرسل كثيراً ونتحدث قليلاً، نشاهد كثيراً ونسأل قليلاً، ونعرف تفاصيل كثيرة لا تعنينا، بينما تفوتنا أحياناً التفاصيل القليلة التي كان ينبغي أن تعنينا. وربما الأخطر أننا اعتدنا ذلك.
اعتدنا أن نعرف أحوال من نحب من صورهم، وأن نطمئن عليهم من ظهورهم، وأن نفترض أن الصامت بخير لأنه لم يقل إنه متعب.
لكن الإنسان لا يقول كل شيء.
هناك أوجاع لا تُنشر، ووحدة لا تظهر في الصور، وأشخاص يضحكون أمام الجميع ثم يعودون إلى بيوتهم، وهم يتمنون سؤالاً واحداً صادقاً: كيف حالك حقاً؟
ولعل هذا هو الامتحان الإنساني الحقيقي في زمن الاتصال؛ ألا نسمح لسهولة الوصول إلى الناس أن تجعلنا أقل اهتماماً بهم.
فالتقنية تستطيع أن تنقل إلينا الصوت والصورة في لحظة، لكنها لا تستطيع أن تمنحنا الإصغاء، ولا الوفاء، ولا الحضور حين يحتاج إلينا أحد.
تلك أشياء لا يزال على الإنسان أن يقدمها بنفسه. ومع مرور العمر نفهم حقيقة بسيطة: ليست قيمة الحياة في عدد الذين عرفناهم، إنما في عدد الذين عرفونا حقاً؛ الذين فهموا صمتنا، وحفظوا غيابنا، وبقوا عندما أصبح البقاء مكلفاً.لذلك ربما لا نحتاج إلى مزيد من وسائل التواصل، بقدر حاجتنا إلى استعادة معنى التواصل نفسه.
أن نسأل قبل أن نراقب، وأن نزور قبل أن نعتذر بانشغالنا، وأن نصغي قبل أن نحكم، وأن نمنح من نحب شيئاً أصبح نادراً رغم أنه لا يُشترى: وقتنا.
فالعمر في النهاية لن يسألنا كم شخصاً تابعَنا، ولا كم شخصاً تابعْنا، بل سيترك أمامنا سؤالاً أكثر قسوة:
كم إنساناً كان قريباً منا، ولم ننتبه إليه إلا بعدما أصبح بعيداً؟
محام وكاتب كويتي