يقف الشرق الأوسط، اليوم، أمام اختبار هو الأصعب منذ سنوات، إذ تتقاطع الأزمات السياسية مع التوترات الأمنية، وتتداخل المصالح الإقليمية مع حسابات القوى الكبرى، لتجد المنطقة نفسها أمام امتحان حقيقي لاستقرارها.
فالتطورات المتسارعة لا تترك مجالاً كبيراً لالتقاط الأنفاس، فيما يزداد القلق من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى تغيير ملامح المشهد الإقليمي، بصورة يصعب التنبؤ بنتائجها.
إن الاستقرار لم يعد مجرد مطلب سياسي، بل أصبح ضرورة لحماية أمن الدول ومستقبل شعوبها. فالأزمات المتلاحقة أثبتت أن آثار الحروب لا تتوقف عند حدود الدول المتنازعة، بل تمتد إلى الاقتصاد، وأمن الطاقة، وحركة التجارة، والاستثمار، وحتى الأمن الغذائي.ولهذا فإن أي اضطراب جديد في المنطقة ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها، لتصل إلى الاقتصاد العالمي، والأسواق الدولية.وما يزيد من تعقيد المشهد أن المنطقة تواجه تحديات متزامنة، تبدأ من النزاعات القائمة، ولا تنتهي عند سباق التسلح، وتضارب المصالح الدولية. وفي ظل هذه الظروف، تصبح المحافظة على الاستقرار مسؤولية مشتركة، تتطلب قدراً كبيراً من الحكمة والقدرة على إدارة الخلافات، بعيداً عن منطق التصعيد والمواجهة.
لقد أثبتت التجارب أن الأمن لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، كما أن السلام لا يُفرض بالإكراه، إنما يبنى بالحوار، والالتزام بالقانون الدولي، واحترام سيادة الدول، وإيجاد حلول سياسية تعالج جذور الأزمات، بدلاً من الاكتفاء بإدارة نتائجها.
فكلما طال أمد الصراعات، ازدادت كلفتها على الجميع، وأصبحت العودة إلى طاولة التفاوض أكثر صعوبة.
وتبرز في هذا السياق أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه الدول التي تنتهج سياسة الاعتدال، وتسعى إلى تقريب وجهات النظر، لأن المنطقة لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الاستقطاب، بل إلى مبادرات تعزز الثقة، وتفتح آفاقاً جديدة للتفاهم. فالاستقرار ليس مسؤولية دولة بعينها، بل مصلحة مشتركة ترتبط بأمن الخليج، وازدهار الاقتصاد، ومستقبل الأجيال القادمة.
إن المنطقة تخوض اليوم امتحان الاستقرار، ونتيجة هذا الامتحان ستتحدد بقدرة الأطراف المختلفة على تقديم الحكمة على الانفعال، والديبلوماسية على التصعيد، والمصالح المشتركة على الحسابات الضيقة. فإما أن تنجح في تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر، وإما أن تدخل في دوامة جديدة من الأزمات يصعب الخروج منها.
ويبقى الأمل قائماً بأن يدرك الجميع أن الاستقرار ليس مكسبًا سياسيًا لطرف دون آخر، بل هو أساس التنمية والازدهار، والضمان الحقيقي لأمن الشعوب ومستقبل المنطقة بأسرها.
كاتب ومحامٍ كويتي