إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، أمس، إطلاق عملية "فجر اليمن لاستعادة مؤسسات الدولة وتحرير صنعاء"، منعطف مهم في الأحداث التي يشهدها اليمن منذ عام 2011، لأنها بداية إنهاء حالة شاذة جلبت على الشعب الكثير من الويلات والعوز والفاقة.
كان ذلك بسبب خطأ ستراتيجي ارتكبته جماعة الحوثي التي حاولت استغلال الدعم الإيراني كي تسيطر على البلاد، بقوة العمالة للآخر، الذي كان واضحاً أن هدفه ليس نصر الشعب "المظلوم"، كما يشاع، إنما تطويق بلاد الحرمين لتحقيق هدفه، وهو تغيير الواقع الثقافي والاجتماعي، من خلال السيطرة على الأماكن المقدسة الإسلامية في المملكة العربية السعودية، باعتبار أن ذلك يمنحه القوة الروحية لفرض رؤيته الخارجة عن واقع الإسلام.
إن الهدف الفارسي منذ ما قبل الإسلام كان يقوم على أن السيطرة على ضفتي الخليج يمنح الدولة الفارسية القوة في مواجهة إمبراطوريات أخرى، لهذا استخدم الفرس سيف بن ذي يزن، عبر دعمه من أجل طرد الأحباش من اليمن، للسيطرة الناعمة على البلاد، عبر دس قادتهم في أركان الدولة حينذاك.
قادهم ذلك إلى التنكيل الممنهج بالناس، فمن عارضهم عذبوه أو قتلوه، بينما كانوا يشيعون بين العامة عن نزاهة الملك اليمني التابع لهم، لكن اليوم، كأن التاريخ يعيد نفسه بعد قرون، فيما جماعة الحوثيين أصبحت، اليوم، هي سيف بن ذي يزن.
إن روايات البطولة لهذا الملك، إذا تصفحت التاريخ جيداً، تراها ضعيفة، قائمة على التلميع أكثر مما هي حقيقة، لذا حين تسمع بيانات الحوثيين، ترى الأمر نفسه يتكرر، لكن بوسائل مختلفة، تؤدي فيها التكنولوجيا الدور الكبير.
لسنا هنا بصدد إعادة كتابة التاريخ، إلا أننا نضيء على أمر مهم، وهو ما ذكرناه في مرة سابقة، عن أن سياسيي الشمال، كانوا دائماً تجار أزمات، يبيعون الولاء لمن يدفع أكثر، ولهذا فإنهم ضربوا عرض الحائط بكل الدعم السعودي والخليجي للدولة اليمنية طوال العقود الماضية، لأنهم رأوا مصلحتهم الخاصة في العمالة لـ"نظام الآيات" الفارسي، غير مبالين بما يكابده شعبهم، من خلال الحصار الدولي المفروض على بلادهم، جراء عمالتهم لطهران، بينما هم يكررون محاولة أبرهة الحبشي هدم الكعبة المباركة، لكن خاب أملهم، كما خاب الحبشي القديم.
إن التجرؤ على زعزعة الاستقرار في مضيق باب المندب، ومنع السفن من الإبحار عبره، فيه الكثير من الحماقة، لأنه ممر دولي، وهذا يزعزع الاستقرار الطاقوي في العالم.
لذا كانت عملية "فجر اليمن" من الحكومة الشرعية المنعطف الأكبر في هذه المرحلة، لكن ذلك لا يكفي، لأن استمرار الدعم الإيراني لهذه الميليشيا يعيد إلى الأذهان ما جرى في العراق بعد العام 2003، وكيف سيطرت إيران على هذا البلد بقوة التحريض الطائفي، وكذلك ما فعلته في لبنان منذ العام 1982، وفي سورية.
إن العالم مطالب اليوم بدعم القوات الشرعية اليمنية لإحكام سيطرتها على اليمن ككل، إذ بغير ذلك يعني أن هناك غض طرف عن بقاء الابتزاز الإيراني لدول مجلس التعاون الخليجي، وهذا ـ لا شك ـ يؤدي إلى المزيد من الضغط على الاقتصاد العالمي.
إن المملكة العربية السعودية تحملت الكثير، وهي باقية على دعم الشرعية اليمنية، وكانت، ولا تزال، السد المنيع في وجه المخطط الإيراني، غير أن ذلك لا يكفي طالما هناك حسابات غير واقعية لبعض الدول العظمى، تقوم على مغازلة إيران، لكن كما يقول الإخوة المصريون "الحداية لا ترمي كتاكيت"، إذ لن تستفيد تلك الدول من طهران سوى المزيد من المتاعب الإرهابية.
وقد صدق الشاعر اليمني حين قال: "أَتْعَسُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَأَنْكَدُهُمْ... مَنْ يَمْتَطِي اللَّيْثَ أَوْ مَنْ يَحْكُمُ الْيَمَنَا".