الكتاب الثاني من سلسلة مختصرات الكتب العالمية كيف تبدأ صناعة النجاح من الداخل؟
يُعد ستيفن ريتشاردز كوفي
(Stephen Richards Covey) واحداً من أبرز الكتّاب والمفكرين الأميركيين في مجالات القيادة والإدارة وتطوير الذات، والفاعلية الشخصية، وُلد عام 1932 في ولاية يوتا الاميركية، ودرس إدارة الأعمال، وحصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة "هارفارد"، ثم نال درجة الدكتوراه من جامعة "بريغهام يونغ"، التي عمل فيها لاحقاً في التدريس والإدارة الأكاديمية، وتركز اهتمامه الفكري على السلوك الإنساني، والقيادة وإدارة الأولويات والعلاقات، وبناء الشخصية على أساس القيم والمبادئ.
ولم ينظر كوفي إلى النجاح بوصفه مجموعة من الحيل السريعة أو الأساليب التي تساعد الإنسان على إقناع الآخرين، والتأثير فيهم، بل رأى أن النجاح المستدام يبدأ من الداخل، من طريقة تفكير الإنسان ومبادئه وعاداته، ثم ينعكس بعد ذلك على قراراته وعلاقاته وعمله.
وقد ارتبط اسمه عالمياً بكتابه الأشهر "العادات السبع للناس الأكثر فاعلية"، كما ألّف عدداً من الكتب الأخرى في مجالات القيادة والأسرة والفاعلية الشخصية، وأسهم في تأسيس مؤسسات متخصصة في التدريب والتطوير القيادي، وتوفي عام 2012 بعد أن ترك إرثاً واسعاً في أدبيات الإدارة والقيادة وتطوير الذات.
صدر "العادات السبع للناس الأكثر فاعلية" عام 1989، ولم يقدمه كوفي باعتباره كتاباً تحفيزياً عابراً، بل بوصفه منهجاً متكاملاً للتغيير، وقد جاء بعد سنوات من دراسة أدبيات النجاح وتحليلها، إذ لاحظ أن الكتابات القديمة كانت تركز على النزاهة، والصبر والمسؤولية، والعدل والشجاعة والانضباط، بينما ركزت كثير من الكتابات الحديثة على الصورة الخارجية، وأساليب التأثير، والتعامل مع الآخرين، ومن هنا بنى كوفي فكرته على العودة إلى الشخصية، والمبادئ باعتبارهما أساس الفاعلية الحقيقية.
ومن هذا المنطلق، جاءت العادات السبع بوصفها مساراً متدرجاً للنمو الإنساني، وليست سبع نصائح منفصلة، إذ تبدأ بما يسميه كوفي "النصر الشخصي"، من خلال ثلاث عادات هي "كن مبادراً"، و"ابدأ والغاية في ذهنك"، و"ابدأ بالأهم قبل المهم"، ثم تنتقل إلى "النصر العام" من خلال "تفكير المكسب/المكسب"، و"اسعَ من أجل الفهم أولًا ثم اسعَ من أجل أن يفهمك الآخرون"، و"التكاتف"، وتنتهي بالعادة السابعة "اشحذ المنشار" التي تمثل التجديد المستمر للإنسان، وقدراته.
أولى هذه العادات هي "كن مبادراً"، والمبادرة عند كوفي لا تعني مجرد سرعة الحركة، أو اتخاذ القرار، بل أن يدرك الإنسان أن بين ما يحدث له وبين استجابته مساحة يستطيع فيها أن يختار، فالظروف قد تؤثر في الإنسان، لكنها لا ينبغي أن تتحكم بالكامل في قراراته، ولهذا يميز كوفي بين "دائرة الهموم" التي تضم كل ما يقلقنا، و"دائرة التأثير"، التي تضم ما نستطيع تغييره فعلياً، ويرى أن الإنسان الأكثر فاعلية يركز طاقته على ما يملك التأثير فيه بدل استنزاف نفسه في الشكوى من أمور لا يملك تغييرها.
ثم تأتي العادة الثانية "ابدأ والغاية في ذهنك"، وفيها يدعو الإنسان إلى أن يعرف إلى أين يريد الوصول قبل أن يبدأ السير، لأن الحركة الكثيرة لا تعني بالضرورة التقدم، ومن لا يعرف وجهته قد ينجح في السير سريعاً نحو المكان الخطأ، ولهذا تصبح الرؤية الشخصية والقيم والأهداف الواضحة أساساً للقرارات اليومية، فالنجاح ليس في سرعة صعود السلم فقط، بل في التأكد من أن السلم موضوع على الجدار الصحيح.
أما العادة الثالثة "ابدأ بالأهم قبل المهم"، فهي انتقال من الرؤية إلى التنفيذ، إذ لا تكفي معرفة ما تريد إذا لم تمنح أولوياتك الحقيقية وقتها ومكانها، فالإنسان قد ينشغل طوال اليوم، ويشعر أنه يعمل كثيراً، لكنه في الحقيقة لا يتقدم نحو أهدافه، وهنا يفرق كوفي بين المهم والعاجل، ويؤكد أن الفاعلية تتحقق عندما يعرف الإنسان، ما يستحق أن يتقدم في يومه، وما يمكن تأجيله، وما ينبغي أن يرفضه أصلاً.
وهكذا تنتهي المرحلة الأولى من الكتاب بما يسميه كوفي "النصر الشخصي"، وهو انتقال الإنسان من الاعتماد على الظروف والآخرين، إلى القدرة على قيادة نفسه، وتحديد غاياته، وترتيب أولوياته، وهو الأساس الذي سينتقل منه في بقية الكتاب إلى بناء العلاقات والتعاون مع الآخرين وتحقيق "النصر العام"، ثم إلى التجديد المستمر الذي يحافظ على فاعلية الإنسان وقدرته على النمو.