وقفة
مع اكتمال انسحاب القوات الأميركية من العراق في نهاية الشهر الماضي، أُسدل الستار على مرحلة من الوجود العسكري الأميركي بدأت مع غزو عام 2003، وشهدت محطات عدة، أبرزها عودة القوات عام 2014 إلى مساندة العراق في مواجهة تنظيم "داعش". واكتمل الانسحاب بموجب الاتفاق المعلن بين بغداد وواشنطن عام 2024، على أن يستمر التعاون بين البلدين في التدريب وتبادل المعلومات.
إن مغادرة القوات الأميركية تسرّ شعوب دول "مجلس التعاون" الخليجي وحكوماتها، حرصاً على أن ينعم العراق بالسيادة والاستقرار، ويمتلك قراره الوطني. لكن الترحيب بهذا التطور لا يلغي ضرورة النظر إلى ما بعده بواقعية؛ فالانسحاب نهاية لوجود عسكري أجنبي، وبداية اختبار لقدرة الدولة العراقية على حماية أمنها ووحدتها، وصون مؤسساتها من التجاذبات والتدخلات.
فالسيادة لا تُقاس بمجرد مغادرة القوات الأجنبية، بل بقدرة الدولة على بسط سلطتها على كامل أراضيها، واحتكار قرار السلم والحرب، وحصر السلاح في يد مؤسساتها الشرعية. والسؤال هو: هل تستطيع الحكومة ملء أي فراغ أمني وسياسي محتمل، وتحويل انتهاء المهمة العسكرية للتحالف إلى فرصة لبناء دولة أقوى وأكثر استقلالاً؟
يبرز هنا ملف الفصائل المسلحة، الذي لم يُحسم بالتزامن مع الانسحاب، بل مُدّد الموعد المحدد لمعالجته إلى يونيو من العام المقبل، بعدما واجهت الحكومة صعوبة في إقناع الفصائل بتسليم أسلحتها، أو إخضاعها بالكامل لسلطة الدولة. وسيكون هذا الملف اختباراً صعباً لبغداد؛ إذ لم يعد ممكناً اتخاذ الوجود الأميركي ذريعة للتمسك بسلاح خارج السيطرة الفعلية للمؤسسات الرسمية.وتزداد حساسية هذا التحدي لأن بعض الفصائل يرتبط بعلاقات وثيقة مع إيران، ويرى مراقبون أنها تمثل امتداداً لنفوذها في العراق. ولا يتعلق الأمر بمكوّن أو طائفة، بل بمبدأ وطني: ألا يتحول أي تنظيم مسلح إلى قوة موازية للدولة، أو أداة لفرض خيارات خارجية. فاستعادة السيادة ستكون ناقصة إذا أفسحت المجال لنفوذ خارجي آخر، أو لقوى مسلحة تنافس مؤسسات الدولة. ويواجه العراق تحدياً في إدارة علاقاته مع واشنطن وطهران، في ظل تنافسهما الحاضر في المشهد العراقي. والمطلوب أن تحمي بغداد استقلال قرارها، وتقيم علاقات متوازنة مع الجانبين، من دون أن تصبح أراضيها ساحة لتصفية الحسابات، أو تمرير صراعات المنطقة. وهذا يتطلب دولة قوية ومؤسسات تحظى بثقة المواطنين، ورؤية وطنية تتقدم على الولاءات العابرة للحدود.
أما إقليم كردستان، فينظر إلى مرحلة ما بعد الانسحاب بقلق، بعد تعرضه لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة خلال المواجهات الإقليمية، واعتماده على جوانب من الدعم العسكري الأميركي، ومنها أنظمة الحماية والإسناد.
وتبقى قدرة الحكومة الاتحادية على ضمان أمن الإقليم وحماية سكانه ومنشآته موضع تساؤل، بما يجعل معالجة مخاوفه في إطار الدستور والشراكة الوطنية ضرورة؛ فاستقرار العراق لا يكتمل إذا شعر أي جزء منه بأنه متروك لمواجهة الأخطار وحده.
كذلك لم يختفِ خطر خلايا "داعش"، رغم زوال سيطرته على الأراضي التي استولى عليها. وقد يستغل التنظيم الثغرات الأمنية والمناطق المتنازع عليها، أو ضعيفة الحضور الحكومي، لا سيما في كركوك وديالى والأنبار. لذلك يلزم تطوير القدرات الاستخباراتية والأمنية العراقية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الاتحادية والإقليمية، والاستفادة من أشكال التعاون الدولي المتاحة لمواجهة الإرهاب.
وفي هذه المرحلة، على دول "مجلس التعاون" مدّ يد الشراكة إلى العراق، عبر التعاون الاقتصادي والاستثماري والتنموي، إلى جانب التنسيق السياسي والأمني، بما يعزز استقراره وارتباطه بمحيطه العربي. فاستقرار العراق مصلحة عربية وخليجية مشتركة، وأي اضطراب فيه لن يظل حبيس حدوده.
انتهى الوجود العسكري الأميركي، لكن الأسئلة الكبرى تبدأ الآن: هل تنجح بغداد في فرض سلطة الدولة، وحماية كردستان، ومواجهة بقايا "داعش"، وصون قرارها من التدخلات؟ إن الرهان الحقيقي ليس على ما غادر العراق، بل على ما ستبنيه الدولة العراقية بعده. والأمل أن تكون المرحلة بداية لسيادة راسخة واستقرار دائم، لا فراغاً جديداً تتنازعه القوى والسلاح.
وزير العمل والتنمية الاجتماعية البحريني سابقاً