الخميس 08 أكتوبر 2026
31°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
القطيعة... مفهوماً وفلسفةً (2 - 2 )
play icon
كل الآراء

القطيعة... مفهوماً وفلسفةً (2 - 2 )

Add as Preferred Source on Google
Time
الخميس 08 أكتوبر 2026
محمود كرم

... عادةً ما تنشأ علاقة تكامليّة ملهمة ما بين التفكّر والسؤال، إنّها العلاقة التي ترنو إلى جماليّة التوافق مع الإبداع، والمعنى، والتفرَّد، والتفلسف، من حيث إنّ التفكّر طريقٌ إلى السؤال، والسؤال هو الآخر مفتاحٌ للتفكّر، ومن غير التفكّر لا توجد أسئلة، ومن غير السؤال ينعدم التفكّر، والسؤال هنا يبحث عن ضرورتهِ في تجلّي المعنى، والفكرة، والفهم، والتفكّر هنا يتلمّس وجوده الخلاّق من خلال البحث عن السؤال.

فهذه العلاقة تنشأ بالضرورة حين تحدث القطيعة الثقافية، فلا يمكن أنْ نفهم المعنى من وراء القطيعة، من غير أنْ تترسخ هذه العلاقة في عقل الإنسان، فالتفكّر بحثٌ دائم عن قدرة الإنسان في التأمّل بماهيّة الأشياء، والأفكار، ومدى أهميّتها له، ومقدار ما تحمل من الحقيقة التي يسعى إليها العقل المفكّر في تأسيس فكرة القطيعة الخلاّقة، والتفكّر أيضاً استحضار دائم للوعيّ الناقد في النظر إلى ما لديه من موروثات يقينيّة، يدفعه هذا الأمر تالياً إلى التحرَّر منها، وفقاً لوعيه في استدراج السؤال، والبحث فيه، وقدرته أيضاً على تداوله بما يتوافق مع ما لديهِ من استنارة القطيعة الملهمة.

لذلك من الأهميّة بمكان أنْ نعرفَ أنّ التفكّر، والسؤال، مهمان لبعضهما بعضاً في العقل المفكّر، وهما الأساس الذي يفتح أمام الإنسان آفاقاً كثيرة وشاسعة من التأمّل، والإبداع، والبحث والتفكير.

في ثقافة القطيعة الخلاّقة يتجلّى لنا بوضوح مفهوم التجربة الفكريّة في تبنّي الأفكار، والمسارات، فثمة أفكار كثيرة تظهر حين يدخل الإنسان مضمار القطيعة، منها ما لم يكن قد اختبر جودتها، أو أهميّتها، أو قدرتها الفعّالة في الإبداع، والانجاز، والتخطَّي.

إنّها أفكار الذات، وهيَ تستجلي قدرتها في تعزيز كيانها المستقلّ، وفي تثبيت إمكاناتها في التفكير، والنقد، والسؤال، وهي الأفكار التي تستحضر الذاكرة المعرفيّة للإنسان المفكّر، الذاكرة المعرفية التي تتدفق في عقل الإنسان منذ أنْ استطاع أنْ يؤسس لوجوده الكيانيّ الفكريّ المستقلّ، بعيداً عن أفكار العقل الجمعيّ، وهي الذاكرة التي تمدُّه على الدوام بجماليّة التفكير في وجوده، وأفكاره، وتحوّلاته.

وفي فكر القطيعة أيضاً تتجلّى أمام الإنسان مساراتٍ عدَّة، من حيث إنّ الأفكار لا يمكن لها أنْ تنحصر في مسارٍ واحد، بل هناك مسارات يستظهرها العقل المفكّر في طريق القطيعة، منها ما تتفتّح أمامه بمجرد أنْ يستعين بقدرتهِ في صناعة فكره، وعقله، وفقاً لإرادته التفكيريّة، واختياره الحرّ، فالمسار هنا تطلّعٌ حقيقيّ لفكره، وتفكّره، وسؤاله في آفاق القطيعة والتخطَّي والإبداع، إنّه المسار الذي يدفعه إلى اختبار تجربته الفكريّة الذاتيّة في تبنّي حقيقة ما استطاع أنْ يكون عليه، وهو المسار الذي يُعزّز فيه فكرة التحوّل الخلاّق الملهم، التحوّل إلى عوالم ذاته المفكّرة، وهيَ تختبر فيه قدرته على الالتفاتِ عميقاً إلى وعيه في إدراك الفكرة من وراء القطيعة الثقافية الخلاّقة.

كلُّ مَن يتبنّى فكر القطيعة، هو في الأساس قد تبنّى أفقاً إبداعياً خاصاً به، الأفق الذي يعرفُ من خلاله أنّه يسير في طريق القطيعة، استرشاداً بوعيه في إدراك السؤال، فالسؤال هنا تثبيتٌ لحالة الوعيّ في تلمّس الفكرة، وتعزيزٌ أيضاً للأفق الذي أبدعه، ورأى فيه كيانه الفكريّ المستقلّ، ورآه مناسباً له، لأنّه هنا يخترع قطيعته الثقافية وفقاً لقدرتهِ على الاستفادة من إمكاناته التفكيريّة في تجلّي الإبداع الإنسانيّ في كلّ مراحله الفكريّة، من حيث إنّ الإنسان في النهاية ينحدر من ذاكرةٍ إنسانيّة معرفيّة، والأمر، إنّما يتوقّف على قدرته في تجلّي موروثاته الإنسانيّة المعرفية، والمضيّ تالياً إلى التركيز على إبداعاته في التفكّر، والتأمّل، والاستنطاق، ومن هنا نعرفُ أنّ التفكّر صفة الإنسان الذي استطاع أنْ يبدع قطيعته الخلاّقة، ويبدع معها تالياً جماليّة الاعتناء جيّداً بأفقهِ الفكريّ، والتفكيريّ، والتساؤليّ.

كاتب كويتي

آخر الأخبار