وقفة
"لماذا يسكت العالم عن امتلاك إسرائيل للسلاح النووي، ولا يسمح لإيران، أليس في ذلك ازدواجية في المعايير، وهل تُستهدف إيران لأنها دولة مسلمة"؟
أسئلة يطرحها قراء ومتابعون، وهي تستحق إجابة تتجاوز الانفعال، وتنظر إلى القضية في إطارها القانوني والسياسي والأمني.
لقد كشفت أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، حين اقتربت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي من مواجهة نووية، حجم الخطر الذي يهدد البشرية إذا تعددت الدول المالكة لهذه الأسلحة. وبعد سنوات من المفاوضات، فُتحت معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية للتوقيع عام 1968، ودخلت حيز التنفيذ عام 1970.
وحددت المعاهدة الدول النووية، لأغراضها، بالدول التي صنعت وفجرت سلاحاً نووياً قبل الأول من يناير 1967: الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا. أما الدول الأخرى الأطراف فيها، فتتعهد بعدم صنع السلاح النووي أو السعي إلى امتلاكه، وتخضع أنشطتها السلمية لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وفي المقابل، تقر المعاهدة بحق الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وتدعو إلى مفاوضات جادة لنزع السلاح. لكن بطء التقدم في تفكيك ترسانات الدول الكبرى، وتفاوت الالتزامات، ظلا من أبرز أسباب الانتقاد الموجه إليها.
ولا يمكن إنكار ازدواجية المعايير في تطبيق مبادئ عدم الانتشار. فإسرائيل لم تنضم إلى المعاهدة، ولم تعلن رسمياً امتلاك السلاح النووي أو تنفه، فيما تقدّر مصادر متخصصة ترسانتها بنحو 90 رأساً نووياً. ويضعف هذا الغموض، مع غياب الضغط الدولي الفاعل، الثقة في النظام الدولي، ويعزز الانطباع بأن القواعد لا تطبق على الجميع بالتساوي. ومن حق دول المنطقة المطالبة بالشفافية والرقابة على البرامج النووية كافة، والدعوة إلى شرق أوسط خالٍ من الأسلحة النووية وسائر أسلحة الدمار الشامل.
لكن الاعتراف بازدواجية المعايير لا يجعل إضافة سلاح نووي جديد إلى المنطقة علاجاً لها. فامتلاك إسرائيل للسلاح لا يمنح إيران أو غيرها حقاً تلقائياً في امتلاكه، كما أن الدعوة إلى منع الانتشار لا تبرئ إسرائيل من مسؤوليتها. والموقف المتسق هو رفض احتكار الأمن، مع الضغط على جميع الأطراف للالتزام بنظام رقابي جاد وعادل.
وتكتسب الحالة الإيرانية خصوصية لأن إيران طرف في معاهدة عدم الانتشار، وعليها التزامات بعدم السعي إلى صنع سلاح نووي وإخضاع أنشطتها للضمانات المطلوبة. وقد أثارت مسائل عالقة في تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية قلقاً دولياً متكرراً. وتنفي طهران أن يكون برنامجها موجهاً إلى صنع سلاح؛ غير أن تبديد الشكوك يتطلب تعاوناً كاملًا مع الوكالة وإتاحة التحقق، لا الاكتفاء بتأكيد النوايا.
أما القول إن الاعتراض على البرنامج الإيراني سببه أن إيران دولة مسلمة، فلا تؤيده الوقائع. فكوريا الشمالية، وهي ليست دولة مسلمة، واجهت إدانات وعقوبات دولية بعد انسحابها من المعاهدة، وإجرائها تجربة نووية عام 2006. وباكستان، وهي دولة مسلمة، أصبحت قوة نووية خارج المعاهدة في سياق تنافسها مع الهند، التي أجرت تجارب نووية عام 1998. لكن هذه السابقة لا تصلح مبرراً لتكرار التجربة في الشرق الأوسط؛ فالتنافس النووي في جنوب آسيا نفسه مصدر خطر دائم.
وأخطر ما قد يترتب على امتلاك إيران سلاحاً نووياً أن تستنتج دول أخرى أن أمنها لا يتحقق إلا بامتلاك السلاح نفسه. وقد يفتح ذلك الباب أمام سباق تسلح إقليمي تدخل في حساباته تركيا والسعودية وغيرهما، حتى من دون أن تكون هذه الدول قد قررت امتلاكه. وكلما اتسعت دائرة الانتشار، ازدادت مخاطر الخطأ في الحسابات والتصعيد الذي يصعب احتواؤه.
لذلك ينبغي لدول المنطقة والدول الكبرى والمنظمات الدولية مضاعفة جهودها الديبلوماسية لمنع إيران من تطوير سلاح نووي، وجعل التحقق والالتزام أساس أي تفاهم. وفي الوقت نفسه، يجب التعامل بجدية مع الترسانة الإسرائيلية والدفع نحو نظام إقليمي لا يستثني أحداً من الشفافية والمساءلة. فعدالة منع إيران من امتلاك السلاح تكتمل حين تشمل إسرائيل أيضاً، ويكون الهدف شرق أوسط خاليًا من السلاح النووي، لا منطقة تتعدد فيها الترسانات والمخاطر.
وزير العمل والتنمية الاجتماعية البحريني سابقاً