تتزامن الظلال القاتمة للشهر الحالي مع ذكرى أليمة تعري واقعاً إنسانياً مريراً؛ حيث انتهكت، إسرائيل في أكتوبر 2023، كل مبادئ العدالة الدولية بحق أهل غزة الأبرياء العزل، وسحقت حقوق الإنسان تحت وطأة آلة الحرب.
ورغم أن هدير الطائرات، والقصف المتواصل، قد توقف في قطاع غزة منذ أشهر، إلا أن مفهوم "انتهاء الحرب" يبدو خدعة بصرية؛ فالعدوان لم ينتهِ، بل تحول إلى شكل آخر من أشكال الإبادة البطيئة والممنهجة، تاركاً خلفه بيئة غير قابلة للحياة، ومأساة متجذرة يعيشها أهالي القطاع يومياً.
وعند الحديث عن أعداد الشهداء والجرحى، ينزف القلب قبل العين دماً؛ فوفقاً لآخر تقرير إحصائي رسمي صادر عن وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة في 1 أكتوبر 2026، بلغت الحصيلة التراكمية لضحايا العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 نحو 74,243 شهيداً و 175,232 جريحاً.
وعند النظر بوضوح إلى الفئات الأكثر هشاشة ومعاناة في غزة، نجد الأطفال الذين حُرموا من أبسط حقوقهم في الأمان والتعليم، ويواجهون اليوم أزمة نفسية وجسدية معقدة؛ إذ تلازمهم صدمات ما بعد الكارثة وسط غياب تام لشبكات الدعم النفسي، والمرافق التعليمية.
أما كبار السن، فيصارعون أمراضاً مزمنة بلا دواء، ويعيشون في خيام تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية، بعد أن شهدوا دمار شقاء عمرهم، وتحول بيوتهم إلى ركام.
وفي ذات السياق، بات الشباب عاطلين عن العمل بفعل غياب الفرص الوظيفية؛ نتيجة الدمار الشامل الذي لحق بالبنية التحتية والاقتصادية لغزة على مدى ثلاثة أعوام.
إن توقف القصف لم يصحبه تدفق للمساعدات، أو بدء حقيقي لإعادة الإعمار، بل استمر الحصار الخانق ليعمق الكارثة المائية والصحية؛ فالمياه الصالحة للشرب تكاد تكون منعدمة، والأوبئة بدأت تنهش أجساد الضعفاء في ظل قطاع صحي منهار تماماً، ومستشفيات باتت عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الرعاية الطبية. هذا المشهد يثبت أن غزة لا تزال تعيش تحت وطأة عقاب جماعي مستمر، حيث يُستخدم الحرمان من أساسيات الحياة كسلاح صامت، ومستدام.
في الختام، يظهر المشهد الحالي في غزة أن التحدي الأكبر اليوم ليس التوصل إلى تهدئة عسكرية فقط، بل هو مواجهة تبعات مأساة إنسانية طويلة الأمد.
إن استمرار تهميش معاناة أهالي القطاع والصمت الدولي تجاه حقوقهم المسلوبة يمثل سقطة أخلاقية متجددة للمجتمع الدولي، ويؤكد أن غزة لن تتعافى بمجرد توقف النيران، بل تحتاج إلى عدالة حقيقية ترفع الحصار، وتضمن محاسبة الجناة، وتستعيد الكرامة الإنسانية المفقودة لأبنائها.
كاتبة كويتية