ليست كل المبادرات الأمنية مجرد حملات عابرة، تنتهي بانتهاء فعالياتها، فهناك مبادرات تحمل في جوهرها رؤية أعمق، وتؤسس لفكر مختلف في التعامل مع التحديات، وتترك أثرها الحقيقي في وعي الإنسان وسلوكه، ومن هذا المنطلق، تستوقفني حملة "وقاية... وأمان" التي أطلقتها وزارة الداخلية الكويتية بالتزامن مع انطلاق العام الدراسي، باعتبارها خطوة تعكس إدراكاً متقدماً لحقيقة جوهرية، وهي أن الأمن الذي يدوم لا تصنعه الإجراءات وحدها، بل تصنعه أيضاً العقول الواعية، والسلوكيات المسؤولة، والشراكة الصادقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع.
ما يدعو إلى التقدير في هذه المبادرة أنها تنطلق من مفهوم يتجاوز الاستجابة للمخاطر إلى استباقها، ومن التعامل مع النتائج إلى تعزيز الوعي بالأسباب، وهنا تكمن القيمة الحقيقية للأمن الوقائي فحين تصل الرسالة التوعوية إلى الإنسان في الوقت المناسب، فإنها قد تجنبه خطراً، وتحمي أسرة من تجربة مؤلمة، وتمنح المجتمع فرصة أكبر للحفاظ على استقراره وسلامة أفراده.
إنها معادلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تعكس فهماً عميقاً لطبيعة المسؤولية الأمنية في عالم تتسع فيه التحديات وتتغير فيه أشكال المخاطر باستمرار.
ولعل اختيار بداية العام الدراسي لإطلاق الحملة يحمل دلالة تستحق التأمل، فالمدرسة ليست مجرد مساحة لتلقي المعرفة، إنما إحدى أهم ساحات بناء الوعي، وتشكيل الشخصية، وإعداد أجيال قادرة على اتخاذ القرار الصحيح ومن هنا، فإن توجيه الرسائل الأمنية إلى الطلبة والطالبات وأولياء الأمور، والهيئات التعليمية، يعكس أهمية الوصول إلى المجتمع من بوابته الأكثر تأثيراً، حيث تتشكل العادات، وتترسخ القيم، وتبدأ ملامح المسؤولية الفردية والاجتماعية في التبلور.
وفي تقديري، فإن قوة حملة "وقاية...وأمان" تكمن في اتساع رؤيتها وتعدد مساراتها، فهي لا تحصر مفهوم الحماية في حدود الطريق أو الشارع، بل تمتد إلى فضاءات الحياة الحديثة، بما تتضمنه من تحديات مرورية ورقمية ومجتمعية، فالأمن اليوم لم يعد مفهوماً جامداً تحكمه صورة واحدة، وإنما منظومة متجددة تفرض على المؤسسات المعنية أن تواكب تحولات المجتمع، وأن تخاطب الأجيال الجديدة بلغة قريبة من واقعها واحتياجاتها.
ومن بين الملفات التي تكتسب أهمية متزايدة في هذا السياق، قضية الوعي الرقمي، بعدما أصبح العالم الافتراضي جزءاً أصيلاً من حياة الأبناء، بما يحمله من فرص واسعة للتعلم والتواصل، وما قد ينطوي عليه في الوقت نفسه من مخاطر تستدعي الانتباه، وهنا تبرز ضرورة أن تتكامل أدوار الأسرة، والمدرسة والمؤسسات الأمنية، في ترسيخ ثقافة الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، حتى يمتلك النشء القدرة على التمييز، وحسن التصرف، وحماية خصوصيته وسلامته في فضاء رقمي لا تقل تحدياته أهمية عن تحديات الواقع.
كما أن ربط التوعية بالاستعداد الأمني والمروري يعكس أهمية العمل المتكامل، فالأمان لا يتحقق برسالة إعلامية وحدها، ولا بالإجراءات الميدانية وحدها، إنما بتضافر الجانبين في منظومة واحدة، وحين تتزامن الرسائل التوعوية مع الاستعدادات الأمنية، ومتابعة حركة الطرق والاهتمام بسلامة الطلبة، فإن ذلك يعزز مفهوماً ضرورياً، مفاده أن حماية المجتمع مسؤولية تتطلب التخطيط والجاهزية، والوعي والتعاون في آن واحد.
إن الإشادة بهذه المبادرة تنطلق، في رأيي، من تقدير الفكرة التي تحملها قبل أي شيء آخر؛ فكرة أن حماية الإنسان تبدأ باحترام عقله، وتوعيته، وإشراكه في مسؤولية الحفاظ على أمن المجتمع. وهي رؤية تعزز العلاقة بين المؤسسة الأمنية والمواطن، وتفتح المجال أمام شراكة تقوم على الثقة والوعي والمسؤولية المشتركة، بما يدعم استقرار المجتمع ويعزز قدرته على مواجهة التحديات.
في المحصلة، فإن "وقاية... وأمان" تطرح رسالة تتجاوز حدود اسمها، وتضع أمام المجتمع معادلة تستحق أن تتحول إلى ثقافة عامة: أن الأمان ليس مجرد غياب للخطر، بل حضور دائم للوعي، واستعداد مستمر للمواجهة، وإرادة مشتركة لحماية الإنسان.
ومن هذا المنطلق، فإن قيمة الحملة الحقيقية تكمن في قدرتها على تحويل الوقاية إلى نهج، والمسؤولية إلى ممارسة، والوعي إلى قوة مجتمعية قادرة على حماية الحاضر وصناعة مستقبل أكثر استقراراً وأماناً لأجيال الكويت.
كاتبة سعودية